المشهد الموريسكي: سرديات الطرد في الفكـر اإلسباني الحديث

📘 تفاصيل الكتاب
عنوان الكتاب: المشهد الموريسكي
المؤلف: حسام الدين شاشية
الناشر: مركز البحوث والتواصل المعرفي
سنة النشر: 2023
📚 المقدمة: تفكيك الذاكرة التاريخية الموريسكية
يمثل كتاب «المشهد الموريسكي: سرديات الطرد في الفكر الإسباني الحديث» للدكتور حسام الدين شاشية الصادر عن مركز البحوث والتواصل المعرفي بالرياض (2023م)، دراسة أندلسية استثنائية وبحثًا تاريخيًا وطويل النفس يقع في نحو 640 صفحة. يهدف الكتاب إلى رصد وتفكيك كيفية تشكل وتطور النظرة الإسبانية للوجود الموريسكي ولمأساة التهجير القسري والطرد، وذلك عبر مسار زمني يمتد لأربعة قرون كاملة، بدءًا من القرن السادس عشر الميلادي وصولًا إلى أواخر القرن التاسع عشر.
ينطلق الباحث من إشكالية مركزية تتصل بكيفية تعامل الذاكرة الجمعية والتاريخ المكتوب في إسبانيا مع الأحداث التاريخية المقلقة والحرجة. إذ لم تكن عملية طرد الموريسكيين (1609-1614م) مجرد حدث سياسي أو ديني عابر، بل كانت صدمة إنسانية واقتصادية واجتماعية تركت ندوبًا عميقة في جسد المجتمع الإيبيري. ومن خلال منهج يجمع بين التحليل الكيفي للنصوص والتقييم الكمي للإنتاج الفكري والصحفي، يتتبع الدكتور شاشية تحولات الخطاب الإسباني من التبرير العقائدي المطلق إلى المراجعة والنقد في العصر الحديث.
⚔️ سرديات القرنين السادس والسابع عشر: التأريخ التبريري وصوت الإخبار
يخصص الكاتب الفصل الأول من دراسته لتحليل الأدبيات الإسبانية التي واكبت فترة قرار الطرد والقرن الذي تلاه. يبرز الباحث تشكل ما يُعرف بـ «التأريخ التبريري» (Historiografía apologética)، وهو التوجه الذي قاده رجال دين ومؤرخون متحمسون للعقيدة الكاثوليكية، أمثال خايمي بليدا، وداميان فونسيكا، وبدرو أثنار كاردونا. عمل هؤلاء على شيطنة الجماعة الموريسكية وتصوير الموريسكيين كجسم غريب وطابور خامس يهدد نماء الدولة ونقاء العقيدة، محاولين إضفاء شرعية إلهية وسياسية على قرار الملك فيليب الثالث.
في المقابل، يرصد الكتاب وجود نبرة أكثر اتزانًا وتفهمًا لدى الكتاب الإخباريين والمؤرخين الميدانيين الذين عايشوا ثورات الموريسكيين، مثل ديغو أورتادو دي ميندوثا في «حرب غرناطة»، وخينيس بيراث دي هيتا، ولويس ديل مارمول كربخال. وعلى الرغم من التزام بعضهم بالخط الرسمي، فإن كتاباتهم أتاحت فرصة لصوت المهزومين كي يعبر عن مأساتهم وعمق معاناتهم. كما يناقش الفصل حضور الموريسكيين في أدب ومسرح العصر الذهبي الإسباني (Cervantes, Lope de Vega, Calderón de la Barca)، مبينا كيف تراوحت الصور بين النمطية الكاريكاتورية والتعاطف الإنساني المكتوم.
📜 تحولات القرن الثامن عشر: صمت الذاكرة والمواجهة الهادئة
يتناول الفصل الثاني وضعية الموريسكيين في إسبانيا ما بعد الطرد خلال القرن الثامن عشر، وهي الفترة التي شاع عنها في الدراسات التاريخية السابقة أنها شهدت انطفاءً تامًا وصمتًا مطبقًا حول المسألة الموريسكية. يثبت الدكتور حسام الدين شاشية، عبر وثائق أرشيفية دقيقة، استمرار الوجود الموريسكي الخفي والذاتي في العديد من المناطق الإسبانية، مستدلاً بمحاكمات غرناطة الاستثنائية بين عامي 1727 و1731م ومخطوط «أخطاء موريسكيي غرناطة».
كما يتتبع الكاتب شهادات وأدبيات الرحالة والراهبين التثليثيين (المكلفين بافتداء الأسرى)، مثل كتابات الراهب فرنثيسكو خيميناث ومالغور غارثيا نفاراو، إضافة إلى مذكرات السفراء المغاربة الذين زاروا إسبانيا كالغسال والمكناسي. تظهر هذه المصادر أن المجتمع الإسباني بدأ يتجه تدريجيًا نحو نوع من «التجاوز» والهدوء النفسي، حيث تحول الموريسكي من موضوع للشحن العقائدي المباشر إلى جزء من الذاكرة التاريخية المطوية أو المندمجة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
📰 القرن التاسع عشر وعودة المطرودين: الصحافة والدراما والرؤية الليبرالية
يفرد الباحث الفصل الثالث والأطول في الكتاب لبحث ظاهرة «عودة المطرودين» إلى واجهة الفكر والثقافة الإسبانية في القرن التاسع عشر. فمع قيام الثورة الليبرالية وانتشار الصحافة وتراجع سلطة الكنيسة ومحاكم التفتيش، أضحت المسألة الموريسكية أداة مركزية في السجال السياسي والفلسفي بين التيارين المحافظ والليبرالي. استُدعي قرار الطرد ليفسر أسباب التراجع الاقتصادي والديمغرافي الذي عانت منه إسبانيا مقارنة ببقية القوى الأوروبية.
شهدت هذه المرحلة إنتاجًا غريراً في مختلف الأجناس الأدبية والتاريخية؛ حيث كتبت الأعمال المسرحية والروائية الرومانسية المناهضة للطرد، مثل مسرحية «ابن أمية» لفرنثيسكو مارتيناث دي لا روزا، وروايات سارافين إستيباناث كالديرون، وخواكين باردو دي لا كاستا، وفيسنت بواكس. وعلى الصعيد الأكاديمي، برزت الأبحاث الاستشراقية والتاريخية الرائدة لكل من باسكوال دي غاينغوس، وفلورنثيو خانر، وموديستو لافونتي، ومارسيلينو مينينديث إي بيلايو، ومانويل دانفيلا، والتي أعادت قراءة المخطوطات الألخاميدية وتقييم الآثار الحضارية والاجتماعية للوجود الإسلامي في إيبيريا.
هل استفدت من المقال ؟ او لديك أي استفسار ؟ اترك تعليقك لنا.