المنهاج التعليمي عند الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: نحو منظور تربوي أصيل لبناء منهاج تعليمي بديل

📘 تفاصيل الكتاب
عنوان الكتاب: المنهاج التعليمي عند الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
المؤلف: حمزة شرعي
الناشر: مكتبة قرطبة
سنة النشر: 2026
📚 المقدمة: المنهاج التعليمي عند ابن عاشور.. قراءة في المنظور التربوي الأصيل
يمثل كتاب "المنهاج التعليمي عند الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: نحو منظور تربوي أصيل لبناء منهاج تعليمي بديل" للدكتور حمزة شرعي دراسة أكاديمية استكشافية وعميقة تنقب في الفكر التربوي لأحد أبرز أعلام التجديد في الفكر الإسلامي الحديث. ينطلق الباحث من فرضية مركزية مفادها أن النظريات والمناهج التعليمية الغربية الوافدة إلى العالم العربي والإسلامي قد أخفقت في إحداث التوازن المنشود بين متطلبات الروح وماديات العصر، نظراً لكونها منبتة الصلة عن الجذور الحضارية والثقافية للأمة، مما أدى إلى حالة من الاغتراب الفكري والتبعية المعرفية لدى المتعلم العربي.
من هذا المنطلق، يأتي هذا العمل لاستجلاء المعالم المنهجية والتربوية المتكاملة في فكر العلامة التونسي الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، وتجميع شتاتها المبثوث في مختلف مؤلفاته الشامخة مثل "أليس الصبح بقريب"، و"مقاصد الشريعة الإسلامية"، و"أصول النظام الاجتماعي في الإسلام"، و"تفسير التحرير والتنوير". ويسعى الكتاب إلى صياغة نموذج لبديل تربوي أصيل ومتكامل العناصر، قادر على الاستجابة لتحديات الراهن دون التفريط في مقومات الهوية ومقاصد الشريعة العليا.
🏛️ السياقات التاريخية والفكرية لإصالح التعليم الزيتوني
عايش الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور تحولات سياسية واجتماعية وثقافية حاسمة في تاريخ تونس المعاصر، امتدت من حقبة الاستعمار الفرنسي المباشر إلى مرحلة استقلال الدولة الوطنية وبنائها. وقد أثرت هذه الظروف العاصفة بشكل مباشر في تشكيل وعيه التربوي؛ حيث شهد بأم عينيه محاولات المستعمر لتفكيك الهوية العربية الإسلامية وطمس معالمها من خلال محاربة اللغة العربية وفرض النمط التعليمي التغريبي، مما أدى إلى خلق فجوة بين المتعلم وبيئته الحضارية.
ولم تتوقف التحديات عند حدود الاستعمار الأجنبي، بل امتدت إلى مرحلة ما بعد الاستقلال؛ حيث انتهجت الدولة الوطنية تحت قيادة الحبيب بورقيبة سياسة علمانية متطرفة أدت إلى إلغاء التعليم الأصيل بجامع الزيتونة وتهميش دور المؤسسات التراثية. أمام هذه التجاذبات الحادة بين التيار التغريبي الداعي للاندفاع النفعي ونزعة التقليد والجمود التي تمسك بها بعض شيوخ الزيتونة، برز ابن عاشور بشخصيته الفذة وموقفه الوسطي المتوازن، داعياً إلى إصالح تعليمي ينطلق من تراث الأمة المقاصدي وينفتح بوعي ونقد على معطيات العلوم الحديثة.
🎯 أهداف المنهاج التعليمي ومنطلقاته المقاصدية
يقوم المنهاج التعليمي عند ابن عاشور على فلسفة مقاصدية تربط التربية بغايتها الكبرى، وهي إعداد الإنسان الصالح القادر على عمارة الأرض وأداء أمانة الاستخلاف الحضاري. وتنقسم أهداف المنهاج في هذا المنظور إلى مقاصد تستهدف الفرد وأخرى تستهدف المجتمع؛ فالمقاصد الفردية تركز على تشكيل بنية روحية ونفسية سليمة قائمة على تزكية النفس وتنوير العقل، وتنمية القدرات الفكرية والنقدية للمتعلم من خلال بناء منهج تفكير سليم يتجاوز الحفظ المجرد إلى التحليل والتركيب، فضلاً عن الاهتمام بالصحة الجسمانية والقتالية واللياقة البدنية للمتعلم.
أما على مستوى المقاصد المجتمعية الكبرى، فيسعى المنهاج إلى إيجاد الرابطة الجامعة للأمة المسلمة، وتحسين الأداء الاستخلافي الجماعي، وترسيخ مبدأ المساواة الاجتماعية بين أفراد المجتمع دون طبقية أو تحيز. كما يشدد ابن عاشور على أهمية جعل المنهاج أداة لتعزيز الوحدة الوطنية، وتحصين اللغة العربية وعلمها باعتبارها وعاء الفكر والوحي، مع غرس قيم التسامح والتعايش الإنساني ونبذ الكراهية والتعصب المذهبي والفكري.
🧑🏫 مواصفات المعلم والمتعلم في الفكر التربوي العاشوري
يولي المنهاج العاشوري عناية فائقة بالعنصر البشري باعتباره المحرك الأساسي للعملية التعليمية التعلمية. وفي هذا الإطار، يحدد الكتاب المواصفات الأساسية للمعلم الفاعل، والتي تتوزع بين الكفاءة المعرفية والمهنية المتمثلة في التمكن من مادة التخصص والتمكن من طرائق التدريس، والمواصفات الأخلاقية والسلوكية كالقدوة الحسنة والإخلاص والمواظبة والأمانة العلمية، إضافة إلى الكفاءة العلاقية التي تجعل من المعلم صديقاً وموجهاً للمتعلمين يبتعد عن التسلط والانقباض.
وفي المقابل، يضع ابن عاشور رؤية متطورة للمتعلم تتجاوز دوره التقليدي السلبي كمتلقٍ للمعلومات، إلى فاعل إيجابي مشارك في بناء تعلماته. وتتضمن مواصفات المتعلم المنشودة ضرورة امتلاكه مكتسبات أولية متوازنة، واستعداده العقل والنفسي للتدرج في مراتب التحصيل العلمي، والتحرر من غبة البعد الشهادي والجزائي المباشر للتعليم لتصبح أمنيته الأساسية البحث عن الحقيقة والتفقه في الدين والدنيا، مع التزامه الآداب والقوانين المنظمة للمؤسسات التعليمية.
| عنصر المقارنة | المنهاج التقليدي (الجمود) | منهاج ابن عاشور (التجديد الأصيل) |
|---|---|---|
| الهدف الرئيس | حشو الأدمغة بالمعلومات وحفظ المتون. | تنوير العقل وتنمية التفكير النقدي والمقاصدي. |
| دور المعلم | ملقن ومصدر وحيد للمعرفة وتسلطي. | ميسر، قدوة، موجّه، وصديق للمتعلم. |
| دور المتعلم | متلقٍ سلبي ينحصر دوره في الحفظ. | فاعل إيجابي مشارك في بناء التعلم. |
| المحتوى الدراسي | كتب تراثية معقدة منفصلة عن الواقع. | برامج متدرجة تجمع بين الشريعة والعلوم الحديثة. |
| طرق التقويم | اختبارات تحصيلية تعتمد الاسترجاع. | تقويم شامل يراعي التطبيق والمهارات العقلية. |
📖 البرامج التعليمية وطرائق التدريس والتقويم
يتناول الباحث بالتفصيل نقد ابن عاشور للبرامج والكتب الدراسية التي كانت سائدة في زمانه؛ حيث انتقد حشو المقررات بالحواشي والاستطرادات التي لا طائل تحتها، وإهمال العلوم العصرية كالرياضيات والتاريخ والفيزياء والجغرافيا. ودعا إلى مراجعة شاملة للمقررات الدراسية وفق معايير الملاءمة للفئة المستهدفة، والتدرج، والتكامل المعرفي، والموضوعية، مع ضرورة الجمع بين الجوانب النظرية والتطبيقية، ومطابقة المحتوى لمقتضيات ومتغيرات العصر.
أما فيما يخص طرائق التدريس والتقويم، فقد دعا ابن عاشور إلى الابتعاد عن أسلوب االإلقاء والتلقين التكراري، واستبداله بطرائق حوارية نشطة كالمناقشة، والتعليم القائم على المشروعات، والتعلّم الذاتي، والتعلم التعاوني، والتعلّم بالمحاولة والخطأ. وفي مجال التقويم، شدد على ضرورة تحرير الامتحانات من الشكليات القاتلة، وجعلها أداة لقياس الفهم الحقيقي والقدرة على تطبيق القواعد واستنباط الأحكام، مع الالتزام بالشفافية والمراقبة المستمرة لضمان تكافؤ الفرص وتطوير الأداء المترشحين.
📌 الخاتمة: نحو منهاج إسلامي أصيل ومستدام
في ختام هذه القراءة التحليلية لكتاب "المنهاج التعليمي عند الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور"، يتضح جلياً أن الرؤية الإصلاحية للشيخ لم تكن مجرد آراء متفرقة أو تنظيرات عابرة، بل كانت مشروعاً فكرياً ونظاماً تربوياً شاملاً يمتلك كافة مقومات المنهاج التعليمي الحديث من منطلقات وأهداف ومحتويات وطرائق وتقويم. لقد أثبت ابن عاشور أن التراث الإسلامي المقاصدي يمتلك مرونة فائقة وطاقة تجديدية هائلة قادرة على إمداد المنظومات التعليمية المعاصرة ببدائل أصيلة تتجاوز مآزق التبعية والتغريب، دون الوقوع في شباك الجمود والاجترار.
إن الاستفادة من هذا النموذج العاشوري تشكل ضرورة ملحة لمؤسساتنا التربوية والتعليمية اليوم، للعمل على إعادة بناء المناهج الدراسية وتطويرها على أسس تجمع بين ثوابت الهوية ومتطلبات التطور العلمي والتكنولوجي، وبما يضمن إعداد أجيال متوازنة روحياً وفكرياً وسلوكياً، قادرة على الإسهام الفعال في النهضة الحضارية الشاملة للأمة.
🎯 كيف يمكن لمؤسساتنا التعليمية المعاصرة الاستفادة من الفكر المقاصدي لابن عاشور لبناء مناهج تجمع بين الأصالة ومستجدات العصر؟
هل استفدت من المقال ؟ او لديك أي استفسار ؟ اترك تعليقك لنا.