المذاهب الوجودية: من كيركجورد إلى جان بول سارتر

📘 تفاصيل الكتاب
عنوان الكتاب: المذاهب الوجودية
المؤلف: ريجيس جوليفيه
الناشر: آفاق للنشر والتوزيع
سنة النشر: 2019
📚 المقدمة: دراسة نقدیة لمسار الوجودية وتطورها الفلسفي
يُعد كتاب "المذاهب الوجودية: من كيركجورد إلى جان بول سارتر" للفيلسوف والباحث الفرنسي ريجيس جوليفيه، والذي نقله إلى العربية المترجم القدير فؤاد كامل وراجعه الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة، أحد أعمق المراجع الأكاديمية التي تناولت التيار الوجودي بالفحص والتحليل. لا يكتفي المؤلف في هذا العمل الكلاسيكي بتقديم عرض تاريخي توثيقي للوجودية، بل يتجاوز ذلك إلى صياغة موقف نقدي موضوعي يُحاكم المذاهب الوجودية من الداخل، متفحصاً درجة اتساقها الداخلي ومدى تماسك حججها ومسلماتها الفلسفية، مع الحرص التام على الفصل بين العرض المذهبي والتعليق النقدي.
ينطلق جوليفيه من تمييز أساسي بين الوجودية كظاهرة اجتماعية وسلوكية انتشرت كنزعة شائعة في منتصف القرن العشرين، وبين الوجودية كتيار فلسفي رصين يمتلك جذوراً إبستمولوجية وميتافيزيقية عميقة. وقد قسم الكاتب دراسته إلى قسمين رئيسيين: خصص الأول منهما لبحث "منابع الوجودية" المتمثلة في فلسفتي سورين كيركجورد وفريدريك نيتشه، بينما أفرد القسم الثاني لدراسة "المذاهب الوجودية" المعاصرة، مفرّقاً بين اتجاهين بارزين: الوجودية الإلحادية لدى مارتن هيدجر وجان بول سارتر، والوجودية المؤمنة أو الروحية لدى كارل يسبرز وجبرييل مارسل.
🔍 الجذور والينابيع: كيركجورد ونيتشه وتأسيس الفكر الذاتي
يمثل سورين كيركجورد النواة الأولى للوجودية الحديثة من خلال ثورته العارمة على العقلانية الهيجلية والمذاهب الشمولية التي تبتلع الفرد في مقولات تجريدية عامة. يوضح جوليفيه كيف جعل كيركجورد من "الفرد العيني" ومكابداته الذاتية نقطة الانطلاق والمنتهى في التفلسف؛ فالحقيقة عنده ليست نسقاً عقلياً مجرداً، بل هي تجربة معاشة وقرار شخصي ينبع من الاختيار الحر والمخاطرة وإدراك القلق واليأس. كما تبرز المسيحية اللوثرية لدى كيركجورد ليس كعقيدة مريحة، بل كمسلك درامي قائم على اتقاء الخوف والقشعريرة والمثول الفردي "أمام الله".
وفي المقابل، يشكل فريدريك نيتشه المنبع الثاني للوجودية عبر إطراحه للفلسفات الكلاسيكية وتأكيده التلازم المطلق بين الفكر والحياة، متخذاً من عبارته الشهيرة "كتبت كتبي بدمي" شعاراً لفلسفته. يتناول المؤلف كيف قاد إعلان نيتشه لـ "موت الإله" إلى انهيار المعايير المطلقة وإعادة تقويم كافة القيم، ليحل محلها إنسان المستقبل أو "الإنسان الأعلى" (السوبرمان) الذي يتجاوز ذاته باستمرار. ورغم التناقض الظاهري بين إيمانية كيركجورد وإلحادية نيتشه، إلا أنهما التقيا في رفض النسق التجريدي، وإعطاء الأولوية للذاتية، واعتبار القلق واليأس شرطين أساسيين لأصالة الوجود البشري.
⚙️ الوجودية الإلحادية: الفينومينولوجيا والأنطولوجيا عند هيدجر وسارتر
يتناول ريجيس جوليفيه التيار الأول من الوجودية المعاصرة القائم على أرضية الظاهريات (الفينومينولوجيا) الهوسرلية مع تحوير نتائجها. يتجلى ذلك عند مارتن هيدجر في تحليله لـ "الآنية" (Dasein) بوصفها الوجود الإنساني المتعين في العالم. يحلل هيدجر الوجود اليومي للأنية وما يكتنفه من سقوط في مبتذل "الناس" والثرثرة والفضول، مقابلاً ذلك بالوجود الأصيل الذي يستعيد ذاتيته من خلال مواجهة الموت وشعور القلق والهم؛ حيث يغدو الموت هو الإمكانية القصوى التي تمنح الوجود معناه النهائي وتكشف عن تناهيه المطلق.
أما جان بول سارتر، فيتخذ موقفاً أكثر راديكالية بإعلانه الصريح أن "الوجود يسبق الماهية"، متأثراً بتجربة "الغثيان" التي تمثل اكتشاف عبثية الوجود الغفل وافتقاره لأي علة أو مبدأ إلهي. يستعرض الكتاب أنطولوجيا سارتر القائمة على التمييز بين "الوجود في ذاته" (المادة الكثيفة الصامتة) و"الوجود لذاته" (الوعي والحرية والعدم). الحرية عند سارتر مطلقٌ يعانيه الإنسان كعبء ومسؤولية لا مفر منها، وكل محاولة للتنصل منها تقع في باب "سوء الطوية" أو الخداع الذاتي.
وفيما يلي مقارنة موجزة بين مفهومي الوجود عند هيدجر وسارتر كما يوضحهما الكتاب:
هل استفدت من المقال ؟ او لديك أي استفسار ؟ اترك تعليقك لنا.