العلم والوعي

📘 تفاصيل الكتاب
عنوان الكتاب: العلم والوعي
المؤلف: إدغار موران
الناشر: المنظمة العربية للترجمة
سنة النشر: 2023
📚 المقدمة: أزمة العلم الحديث وضرورة الوعي النقدي
يمثل كتاب «العلم والوعي» للمفكر والفيلسوف الفرنسي المعاصر إدغار موران أحد أبرز النصوص الإبستيمولوجية التي تتناول بالبحث والنقد مسار المعرفة العلمية وتطورها في العصر الحديث. يتناول موران في هذا المؤلف المحوري الإشكالية العميقة الناجمة عن انفصال التطور العلمي والتقني الهائل عن الوعي الأخلاقي والفلسفي، مبيناً كيف تحولت المعرفة التي كانت أداة للتحرر والتنوير إلى قوة تتضمن إمكانات رهيبة للهيمنة والتدمير الذاتي إذا ما جُرّدت من التفكير النقدي والمساءلة المستمرة.
يقدم الكتاب، الذي ترجمه بكفاءة عالية الدكتور عز الدين الخطابي وراجعه الدكتور بسام بركة وصدر عن المنظمة العربية للترجمة، صياغة متكاملة لمشروع موران الفكري حول «منهج التعقيد» (La المعقد/الفكر المركب). إن الدعوة الأساسية التي يطلقها موران تتلخص في ضرورة الاقتران الشرطي بين «العلم» و«الوعي»، لتأسيس علم جديد (nuova scienza) يقطع مع مبادئ التبسيط والاختزال، ويتجاوز أسطورة الحتمية المطلقة، ليفتح المجال أمام استيعاب الظواهر في أبعادها المتعددة والتشابكات المركبة التي تحكم عالمنا المعاصر.
⚖️ الوضع المفارق للعلم وتحديات التخصص المفرط
حلل إدغار موران الوضع المفارق الذي آلت إليه المعارف العلمية بعد قرون من التقدم المذهل. فمن جهة، نجح العلم التجريبي في سبر أغوار الطبيعة، وفك رموز الجينوم البشري، واكتشاف أسرار المادة والكون، مما أدى إلى ثورة تقنية غير مسبوقة في الطب والاتصالات والطاقة. ولكن من جهة أخرى، أدى هذا النجاح إلى نتيجتين سلبيتين خطيرتين: الأولى هي «التخصص المفرط» الذي تجزأت معه المعرفة وانعزلت الحقول العلمية عن بعضها البعض، والثانية هي انفصال السلطة الناجمة عن العلم عن يد العلماء لتتمركّز في أيدي المؤسسات السياسية والاقتصادية والدولية ذات الغايات النفعية والأيديولوجية.
أفرز هذا التجزؤ المعرفي وضعاً أطلق عليه موران «الظلامية الجديدة»، حيث يصبح المتخصص عملاقاً في مجاله الضيق وجاهلاً أمياً بما يحدث في الحقول الأخرى، ومجرداً من أدوات التفكير في الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية لبحوثه. إن علاج هذه المفارقة لا يكمن في التخلي عن العلم، بل في إعادة بنائه على نحو يضمن التواصل المتبادل بين الذات العارفة والموضوع المدروس، وإرساء التعددية النظرية والعبور بين التخصصات (transdisciplinarité) للإحاطة بتعقد الواقع بدلاً من اختزاله في معادلات كمية جامدة.
🔄 حوار المتناقضات: بين النظام والفوضى والصدفة
يرى موران أن الفيزياء الكلاسيكية تأسست على براديغم التبسيط الديكارتي والنيوتوني الذي يعتبر الكون آلة صماء تخضع للحتمية المطلقة والوضوح التام، واستبعدت الصدفة والفوضى باعتبارهما مجرد نقص في المعرفة البشرية. غير أن الاكتشافات الحديثة في الميكروفيزياء وديناميكا الحرارية وعلم الأنساق وعلم الأحياء الجزيئي أثبتت أن العالم ليس نظاماً خالصاً، بل هو نسيج متداخل يتصارع فيه ويتكامل النظام (ordre) مع الفوضى (désordre) والتنظيم (organisation). هذا التفاعل الرباعي هو ما يحرك التطور الكوني والبيولوجي والاجتماعي.
إن مفهوم «التعقيد» لدى موران ليس مجرد تعقيد ظاهري يسهل اختزاله، بل هو إقرار ترابط المتناقضات والتفاعل بين العناصر المتغايرة لتحقيق الانسجام. إن انفجار النجوم، على سبيل المثال، هو حدث فوضوي وتفككي، لكنه في الوقت ذاته شرط أساسي لنشأة عناصر جديدة وتبلور أنظمة فلكية كبرى. بناءً على ذلك، يتطلب الفكر المركب منا التخلي عن التقابل الأنطولوجي الحاد بين الصدفة والضرورة، والعمل على إقامة حوار حقيقي يدمج الأحداث العشوائية ضمن صيرورة التنظيم الذاتي.
هل استفدت من المقال ؟ او لديك أي استفسار ؟ اترك تعليقك لنا.