العنف في كل مكان من حولنا

📘 تفاصيل الكتاب
عنوان الكتاب: العنف في كل مكان من حولنا
المؤلف: جون سيفتون
المترجم: داود سليمان القرنة وتيسير نظامي خليل
الناشر: العبيكان للنشر
سنة النشر: 2017
📚 المقدمة: تشريح ظاهرة العنف البشري
يمثل كتاب "العنف في كل مكان من حولنا" للمؤلف والباحث الحقوقي الأمريكي جون سيفتون محاولة استثنائية لفك التشفير عن واحدة من أكثر الظواهر تعقيداً في التاريخ الإنساني. ينطلق الكاتب من خبرته الميدانية الطويلة كباحث ومحقّق لدى منظمة "هيومان رايتس ووتش" في مناطق النزاعات الملتهبة كأفغانستان والعراق وكوسوفو، ليتجاوز الطرح النظري المجرد نحو رؤية تشريحية واقعية تبحث في طبيعة الفعل العنيف وأسبابه وآثاره النفسية والاجتماعية والسياسية.
لا يكتفي سيفتون بتسجيل مشاهداته الميدانية المؤلمة، بل يربط بين تجارب الميدان الحية والتحليلات التاريخية والفلسفية والعسكرية، متتبعاً كيف يتغلغل العنف في بنية المجتمعات والهياكل القانونية والسياسية. يهدف الكتاب إلى الإجابة عن أسئلة جوهرية حول سبب اندفاع البشر نحو إلحاق الأذى ببعضهم البعض، وكيف تُغلف القوى السياسية العنف بشعارات مسرحية ولغوية لتبريره أو الحفاظ على توازنات السلطة.
⚔️ الأفعال والواقع الميداني: مأساة الصراع المباشر
يستهل المؤلف الجزء الأول من الكتاب بالتركيز على "الأفعال"، مستعرضاً تجاربه الميدانية الأولى في أفغانستان عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. يصف سيفتون الدمار الذي خلفته الضربات الجوية الأمريكية على مقرات حركة طالبان وتنظيم القاعدة في قندهار وبلخ، محققاً في سقوط الضحايا المدنيين والآثار الكارثية للقصف التكتيكي. يوضح الكتاب كيف تظهر حقيقة العنف المادية بشكل صريح عند حواف حفر القنابل وركام المباني المحطمة، حيث يلتقي الباحث بالضحايا والجناة على حد سواء.
يتطرق التحليل إلى المفارقة النفسية والجسدية للعنف القريب، مستشهداً ببحوث عسكرية ونفسية تؤكد أن الكائن البشري يمتلك نفوراً فطرياً وغريزياً من القتل المباشر وجهاً لوجه. ويُظهر المؤلف كيف يتعرض الجنود والمنفذون لصدمات نفسية حادة وآثار جانبية حشوية كالغثيان والاضطراب عند ممارسة العنف القريب، مما دفع بالجيوش والمؤسسات العسكرية عبر التاريخ إلى البحث عن وسائل وأدوات تقطع الاتصال الحسي المباشر بين القاتل والضحية.
🛡️ الجغرافيا العسكرية واللوجستيات: حدود السيطرة بالقوة
في تحليل عميق للحروب والحملات العسكرية، يناقش الكتاب دور الجغرافيا الحاكمة في تحديد نتائج الصراعات المسلحة. يضرب الكاتب المثال بتاريخ مدينة "بلخ" الأفغانية الساحرة والقديمة، التي كانت على مر القرون مسرحاً لغزوات الإسكندر الأكبر وجنكيز خان والجيش السوفيتي وأخيراً القوات الأمريكية. يُبين سيفتون أن التضاريس الجبلية والوعرة لأفغانستان، جنباً إلى جنب مع التعقيدات اللوجستية الهائلة، كانت دوماً تمثل العقبة الكؤود التي تطحن أعتى الإمبراطوريات وتفرغ انتصاراتها العسكرية من مضمونها.
ويركز المقال على أهمية اللوجستيات في إدارة العنف المنظم، مفنداً النظرة الرومانسية للشجاعة في خطوط المواجهة الأمامية. فالحرب الحقيقية -كما يراها كبار المؤرخين العسكريين أمثال جون كيغان ومارك بلوخ- تعتمد بالأساس على الخدمات الخلفية أو ما يُعرف بـ "الذيل" العسكري من وقود وإمدادات وذخيرة، بدلاً من مجرد "الأسنان" القتالية المباشرة. ومتى ما تعثرت خطوط الإمداد أو عجزت القوة الغازية عن حماية تواصلها الميداني، يؤول النظام العسكري الصارم إلى التفكك والهزيمة.
| البعد التحليلي | العنف القريب (المباشر) | العنف البعيد (التكنولوجي) |
|---|---|---|
| الوسائل المستخدمة | الأسلحة الخفيفة، السلاح الأبيض، التعذيب المباشر | الطائرات المسيرة، الصواريخ الموجهة، المدفعية |
| الأثر النفسي على الجاني | صدمة حشوية مباشرة، شعور بالذنب، نفور فطري | انفصال عاطفي، تجريد الضحية من الإنسانية، اغتراب |
| الهدف الاستراتيجي | السيطرة الإقليمية المباشرة أو إخضاع العدو | تقليل الخسائر البشرية للغازي وتحقيق تفوق سياسي |
🚁 العنف عن بعد: عصر الطائرات المسيرة والاغتراب التكنولوجي
يمتد التحليل ليشمل تطور تكنولوجيا الحرب والتحول نحو العنف البعيد، لا سيما الاستخدام المكثف للطائرات بدون طيار (الدرونز) وبرامج الاغتيال المستهدف. يوضح سيفتون أن السعي التاريخي لتحديث الأسلحة -من المقلاع والسهام إلى الصواريخ الباليستية- كان هدفه الأساسي إيجاد مسافة أمان تجنب القاتل المخاطر الجسدية والنفسية. غير أن تقنيات الاستهداف الحديثة أوجدت حالة غير مسبوقة من "الاغتراب النفسي"، حيث يجلس المشغّل في قاعدة بكتل نيفادا ليصوب صواريخ حارقة نحو أهداف نائية في اليمن أو الباكستان بنقرة زر.
ينتقد الكاتب بشدة ما يُعرف بـ "ضربات التوقيع" التي تعتمد على استهداف الأفراد بناءً على النمط السلوكي والمظهر الخارجي بدلاً من معرفة هويتهم المؤكدة. أدى هذا النهج الآلي والتحليل الرقمي القائم على بث الفيديو إلى وقوع أخطاء مأساوية راح ضحيتها مئات المدنيين والنساء والأطفال. يستنتج المؤلف أن التكنولوجيا المتقدمة حجبَت البعد الإنساني للضحايا وشجعت صناع القرار على استخدام القوة الفتاكة بتكاليف سياسية أقل، مما ينذر بمستقبل مظلم يتجرد فيه العنف عن المساءلة الأخلاقية.
🎭 الأقوال والغطاء اللغوي: مسرحة القوة والبروباغندا
يتناول الجزء الثاني من الكتاب "الأقوال"، مفككاً التلاعب اللغوي والبلاغي الذي تمارسه الحكومات والجماعات المسلحة لإخفاء الوحشية. يستعرض سيفتون كيف تُستخدم مصطلحات فضفاضة مثل "الحرب على الإرهاب"، و"تعزيز الاستجواب"، و"الضرر الجانبي" لتلطيف جرائم التعذيب والانتهاكات القانونية في معتقلات بليغة السرية كغوانتانامو وأبو غريب والسجون السريّة التابعة لوكالة الاستخبارات الأمريكية في أوروبا الشرقية وأفريقيا.
كما يربط المؤلف بين الحرب والمسرح، موضحاً أن استعراض القوة وإشاعة الخوف يُعدان ركيزة أساسية للسلطة السياسية والسيادة. فالاستعراضات العسكرية والتصريحات الصارمة تهدف إلى تعطيل إرادة الخصم وتثبيت الانطباع بالهيمنة المطلقة دون الحاجة خوض مواجهات مستمرة. ولكن عندما تنكشف "خدعة الخوف" ويستعيد الناس شجاعتهم -كما حدث في ثورات الربيع العربي في مصر وتونس- تنهار أجهزة القمع وتفقد السلطة المستبدة قدرتها على السيطرة التامة.
- تطويع المصطلحات: تحويل المفاهيم القانونية والإنسانية لتبرير الاستثناء والانتهاك.
- الملاذات الآمنة: استخدام فكرة حرمان العدو من الملاذ لتبرير التدخلات العسكرية غير المحدودة.
- التعذيب المؤسسي: تطبيق تقنيات قاسية تحت غطاء مذكرات قانونية ملتوية للتهرب من المساءلة.
📌 الخاتمة: قراءة في مستقبل السلوك العنيف
يخلص جون سيفتون في نهاية كتابه إلى أن العنف ظاهرة إنسانية متجذرة لا يمكن محوها بالكامل أو تجنبها بمجرد التمني، بل يتطلب التعامل معها فَهماً عميقاً لدينامياتها وتفكيكاً للخطابات التي تُشرعنها. إن خطورة العنف المعاصر لا تكمن فقط في القوة التدميرية للأسلحة، بل في قدرة المؤسسات السياسية والتكنولوجية على فصل السلوك العنيف عن ضمير الفرد والمجتمع، وتحويله إلى عمل روتيني آلي يُدار من خلف الشاشات.
يقدم كتاب "العنف في كل مكان من حولنا" وثيقة حقوقية وفكرية بليغة تُسائل المفاهيم الأخلاقية والقانونية السائدة، وتدعو إلى التمسك بالحقائق الميدانية وروايات الضحايا كخط دفاع أخير ضد التزويف واللامبالاة. إن كتابات سيفتون تُشكل تذكيراً دائماً بأن الحفاظ على إنسانيتنا يتطلب مواجهة العنف بكل أشكاله، وكشف الأقنعة البلاغية والتكنولوجية التي تحاول حجب آلام البشر.
🎯 هل تعتقد أن التطور التكنولوجي في إنتاج الأسلحة المسيرة يسهل اتخاذ قرار الحرب ويقلل من المساءلة الأخلاقية للقيادات السياسية؟ شاركنا برأيك في التعليقات.
هل استفدت من المقال ؟ او لديك أي استفسار ؟ اترك تعليقك لنا.