التسييس التنظيمي رهانات واقتضاءات : مقاربة سوسيوتنظيمية

📘 تفاصيل الكتاب
عنوان الكتاب: التسييس التنظيمي رهانات واقتضاءات
المؤلف: د. مرهون امحمد
الناشر: منشورات الشهاب
سنة النشر: 2025
📚 المقدمة: خلفية السلوك التنظيمي المسيس
يعد كتاب التسييس التنظيمي رهانات واقتضاءات للدكتور مرهون امحمد إضافة نوعية للمكتبة السوسيولوجية العربية، حيث يسلط الضوء على ظاهرة بالغة الأهمية وغالباً ما يتم تجاهلها في أدبيات الإدارة التقليدية. ينطلق المؤلف من فرضية أساسية مفادها أن المنظمات ليست وحدات عقلانية بحتة تهدف فقط للإنتاج وتقديم الخدمات، بل هي ساحات اجتماعية وسياسية معقدة تعتمل فيها صراعات القوة والمصالح الضيقة.
يعتمد الكتاب على مقاربة سوسيوتنظيمية عميقة تستمد أدواتها التحليلية من تراث كبار السوسيولوجيين مثل ميشال كروزيه، وبيار بورديو، وميشال فوكو، وغيرهم. يهدف الكتاب إلى تفكيك الواقع التنظيمي وتعريته من الشعارات البراقة، كاشفاً عن الهوة السحيقة بين الأهداف الرسمية المعلنة للمنظمات وبين الممارسات الفعلية الخفية التي يتم من خلالها إعادة إنتاج الهيمنة وتسييس القواعد التنظيمية.
🔍 الجذور السوسيولوجية لتصدع الإطار المرجعي
يناقش المؤلف في المحور الأول التصدعات الكبرى التي أصابت الإطار المرجعي للمجتمع والمنظمة في ظل تحولات العولمة واقتصاد السوق. يوضح كيف أن التركيز المفرط على الإنتاجية والربح والجودة الشاملة قد أدى إلى تراجع الواجب الأخلاقي وتفريغ معاني العمل الإنساني، مما خلق بيئة خصبة للاعتلالات التنظيمية. هذا التصدع يدفع الأفراد إلى الشعور بالاغتراب والتشييء داخل جدران المنظمة الصماء.
وفي سياق متصل، يتحول الأفراد إلى أجزاء مجردة في آلة ضخمة، مما يولد سلوكيات دفاعية ومقاومة خفية تتجاوز القواعد الرسمية. يبرز التسييس التنظيمي هنا كاستراتيجية يتبناها الفاعلون لحماية مصالحهم أو تعظيم مكاسبهم وسط مناخ من انعدام اليقين واللاأمان المهني، وهو ما يستدعي قراءة نقدية واعية لطبيعة العلاقات الاجتماعية داخل هذه الوحدات الاقتصادية والاجتماعية.
♟️ الألعاب السياسية وآليات الصراع التنظيمي
يغوص الكتاب في تفاصيل الألعاب السياسية داخل المنظمات مستنداً إلى تصنيفات هنري مينتزبرغ وميشال كروزيه. يوضح الكاتب كيف تتحول المنظمات إلى حلبات صراع مستمر حول الموارد النادرة والسلطة. تشمل هذه الألعاب أشكالاً متعددة مثل ألعاب التمرد، ومقاومة العصيان، وبناء التحالفات، وتكتلات الإمبراطوريات، وألعاب الميزانية والخبرة، وهي ممارسات تكشف بوضوح كيف يتم لي عنق القواعد الرسمية لتخادم الأجندات الشخصية.
كما يتطرق المؤلف إلى مفهوم "مناطق الظل" التي تشكل مرتعاً خصباً لممارسة التسييس. فالقواعد مهما كانت صارمة تترك مساحات من الغامض واللامقنن، وهي ثغرات يستغلها الفاعلون الأذكياء لفرض سيطرتهم، وبناء قواعد نفوذ غير رسمية توازي أو تفوق في قوتها السلطة الرسمية المخولة لهم عبر السلم الهرمي للمنظمة.
⚖️ ميزان القوة ومفاهيم الشرعية والسلطة الرمزية
في المحور الموالي، يعالج الكتاب بدقة متناهية آليات اشتغال القوة والسلطة، مفرقا بين السلطة المؤسسية المشروعة والقوة المسيسة غير الشرعية. يستلهم المؤلف طروحات ماكس فيبر وبيار بورديو لفهم كيفية تشكل الهيمنة وقبول الخاضع لها عبر آليات "العنف الرمزي" و"الهابتوس". إن السلطة الرمزية لا تحتاج إلى القهر المادي دائماً، بل تستمد استمراريتها من تواطؤ الخاضعين واقتناعهم بشرعية النظام القائم.
ويؤكد المؤلف أن الموارد الفائضة في المنظمات تلعب دوراً محورياً في تغذية صراعات القوة؛ فالتحكم في هذه الموارد يمنح أصحاب النفوذ قدرة فائقة على توجيه مسار القرارات وصياغة المعايير بما يخدم مصالحهم الخاصة. هذا الاحتكار المبطن للموارد والمعرفة يحول المنظمة إلى نظام تراتبي يعيد إنتاج التفاوتات والتمايزات بشكل ممنهج.
🎭 النفاق التنظيمي ومسرحة الحياة الوظيفية
يخصص الكاتب مساحة هامة لمعالجة ظاهرة "النفاق التنظيمي" ومسرحة الحياة الوظيفية استناداً إلى مقاربات إرفوف غوفامن ونيلز برونسون. يوضح كيف يضطر الأفراد إلى ارتداء الأقنعة ولعب الأدوار عبر تقنيات "إدارة الانطباع" لتسويق ذواتهم المظهرية ونيل رضا الرؤساء، بغض النظر عن قيم العمل الشريف والالتزام الحقيقي.
يتجلى هذا النفاق في الخطابات المزدوجة والمعايير المتقلبة التي تستخدمها الإدارة لتبني شعارات رنانة بينما تنفذ ممارسات مغايرة تماماً في الواقع العملي. هذا المناخ المعتل يؤدي إلى استنزاف طاقات العاملين وتدمير روح الفريق، ليصبح البقاء في المنظمة صراعاً يومياً محموماً يعتمد على التملق والبراعة في تكتيكات النفاق والرياء.
📌 الخاتمة: نحو رؤية سوسيولوجية لتخليق بيئة العمل
يخلص الكتاب في خاتمته إلى أن معالجة الاعتلالات التنظيمية والتسييس المستفحل تتطلب تجاوز المقاربات الاقتصادية الاختزالية والتقنيات الإدارية الجاهزة. لا يمكن إعادة الأمل للمنظمات دون أنسنة العمل، وبناء جسور الثقة الحقيقية، وإشراك العاملين بفعالية تضمن لهم الاعتراف والتقدير بعيداً عن منطق العصا والجزرة والهيمنة البيروقراطية البحتة.
إن فهم الديناميكيات الخفية للصراع والتسييس يعد خطوة أولى وحتمية لأي مشروع تغيير جاد يسعى إلى تحقيق العدالة التنظيمية وإعادة المعنى الحقيقي للعمل الإنساني داخل مؤسساتنا.
🎯 كيف يمكن للمؤسسات الحديثة أن توازن بين متطلبات الكفاءة الاقتصادية وبين الضرورات الأخلاقية والإنسانية لحماية العاملين من مخاطر التسييس والاغتراب التنظيمي؟
هل استفدت من المقال ؟ او لديك أي استفسار ؟ اترك تعليقك لنا.