آخر المواضيع

الهوية الثقافية لا وجود لها

الهوية الثقافية لا وجود لها

غلاف الهوية الثقافية لا وجود لها

📘 تفاصيل الكتاب

عنوان الكتاب: الهوية الثقافية لا وجود لها
المؤلف: فرانسوا جوليان
المترجم: بسام بركة
الناشر: المنظمة العربية للترجمة
سنة النشر: 2024

📚 المقدمة: أزمة مفهوم الهوية في زمن العولمة

في زمن تتصاعد فيه دعوات التقوقع القومي والنزعات التعصبية، يأتي كتاب «الهوية الثقافية لا وجود لها» للفيلسوف والمستشرق الفرنسي المعاصر فرانسوا جوليان، المترجم بقلم الأستاذ الدكتور بسام بركة والصادر عن المنظمة العربية للترجمة، ليقدم أطروحة فلسفية تفكيكية جريئة تُعيد النظر في القواعد المفاهيمية التي تتأسس عليها النقاشات المعاصرة حول التعددية الثقافية والعولمة. ينطلق جوليان من خلفيته المزدوجة المتعمقة في الفلسفة اليونانية والفكر الصيني القديم ليضع خطابات «الهوية الثقافية» تحت مجهر النقد الفلسفي الصارم.

ويرى جوليان أن مفهوم الهوية الثقافية، بذريعة الدفاع عن الخصوصية، يؤدي حتمًا إلى تسقيف الثقافة وتجميدها في ماهية صلبة ومغلقة، مما يُفضي إلى الصدام والطائفية ورفض الآخر. وبدلاً من الانغلاق في مقولات الهوية الموروثة، يقدم المؤلف جهازه المفاهيمي الخاص البديل القائم على مصطلحات «الموارد الثقافية»، و«الانزياح»، و«المشترك»، و«الحوار المتبادل»، ساعياً إلى فتح آفاق جديدة لتواصل حضاري حي يرفض كلاً من التنميط العولمي الشامل والتقوقع الإثني الضيق.

🧭 نقد الهوية الثقافية وتفكيك جوهرها الثابت

يبدأ فرانسوا جوليان أطروحته بتفكيك العبارة السائدة «الهوية الثقافية»، موضحاً أن طبيعة الثقافة في جوهرها قائمة على التغير والتطور والتحور المستمر، وبالتالي فإن إضفاء صفة «الهوية» عليها يُعد خطأ مفاهيمياً يمس جوهرها الحي. الثقافة التي تتوقف عن التحول تصبح ثقافة ميتة تشبه اللغات القديمة التي لم يعد يتكلمها أحد. ومن هنا، فإن محاولات حصر الثقافة في «ثبت» محدد من الخصائص الثابتة هي عملية تعسفية تُحيل الثقافة إلى مجرد فولكلور أو آيديولوجيا تبريرية تُستغل سياسياً لإذكاء الصراعات.

ويستدل جوليان على ذلك بالثقافة الفرنسية نفسها؛ فهل يمكن تحديد جوهرها من خلال شخصية «لافونتين» الأقرب إلى العقلانية التقليدية، أم شخصية «رامبو» و«بروتون» الثائرة والسريالية؟ إن ثراء الثقافة الفرنسية لا يكمن في أحد هذين القطبين دون الآخر، ولا في جوهر موحد يجمعهما، بل في «الانزياح» والتوتر الخلاق القائم بينهما. فالثقافة تعيش وتتغذى من تناقضاتها الداخلية وتفاعلاتها المتبادلة وليس من تحديد ماهيتها في صيغة أحادية ثنائية جامدة.

مثلث المفاهيم المتنافسة: الكلي والمتماثل والمشترك

يقيم المؤلف تمييزاً منهجياً حاسماً بين ثلاثة مفاهيم حورية غالباً ما يقع الخلط بينها في زمن العولمة، وهي: الكلي (Universel)، والمتماثل (Uniforme)، والمشترك (Commun). ويعتبر جوليان أن العولمة الحالية تنشر «المتماثل» القائم على التكرار الاقتصادي وتوحيد أنماط الاستهلاك والخطابات، مخدوعةً بإضفاء مشروعية «الكلي» عليه، في حين أن التماثل ليس سوى انحراف عن الكلي وإفقار للتنوع البشري.

ولإيضاح الفوارق الدقيقة بين هذه المفاهيم الثلاثة، يمكن إيجاز المقارنة الفلسفية التي يقدمها فرانسوا جوليان في الجدول التالي:

المفهومالمجال المرجعيالآلية والغايةالنتيجة الثقافية والسياسية
الكلي (Universel)المنطق والفكر الفلسفيينشد الوحدة كأفق نظري ومنظم (مثل حقوق الإنسان)يفتح باب التقاسم ويحث على النضال المستمر دون اكتفاء
المتماثل (Uniforme)الإنتاج والاقتصاديعتمد التكرار وتوحيد الأنماط وإلغاء الفوارق لخدمة السوقيُفقر الثقافات ويُميت التنوع وينتج المعلبات الفكرية
المشترك (Commun)السياسة والمواطنةيقوم على التقاسم والمشاركة الفعلية بين الذوات المتمايزةيبني «المدينة» والمجتمع الحي القائم على العيش التفاعلي

يؤكد جوليان أن «المشترك» السياسي الحقيقي ليس هو «المشابه»، بل هو ما ينشأ من خلال التفاعل والتوتر بين ذوات مختلفة تحتفظ بفرديتها وانزياحاتها، مما يمنح المجتمع المادي والفطري قوته وتماسكه الخلاق.

🔄 من الاختلاف إلى الانزياح: نحو استثمار «الموارد» الثقافية

يميز جوليان بين مفهومين أساسيين في التعاطي مع التنوع الثقافي: «الاختلاف» (Différence) و«الانزياح» (Écart). فالاختلاف مفهوم تصنيفي تحليلي ينتهي بالضرورة إلى تحديد الهويات وتثبيت جدران بينها؛ إذ بعد إجراء المقارنة يُنحى الآخر جانباً وينكفئ كل طرف على ذاته. في المقابل، يمثل «الانزياح» مسافة مفتوحة وحركة ابتعاد عن المألوف تُبقي الطرفين في حالة توتر واحتكاك مستمر، حيث يستكشف كل طرف ذاته عبر الآخر ولا ينغلق في ماهيته.

وبدلاً من الحديث عن «تراث» أو «هوية» يجب حمايتها وتسييجها، يدعو جوليان إلى استخدام مفهوم «الموارد الثقافية» (Ressources). فالموارد ليست ممتلكات أو ثروات خاصة بجهة معينة، بل هي طاقات فكرية وإبداعية متاحة للبشرية جمعاء، لا تنضب بالاستعمال بل تزداد خصوبة وتفعيلاً. فكما أن الإنسان يستفيد من موارد الفكر الصيني أو الإغريقي أو العربي دون أن يتنكر لذاته، فإن الموارد تُفعل وتُستغل للنهوض بالذات وتوسيع أفق الفكر الإنساني.

🌐 الحوار المتبادل والترجمة بوصفها فضاءً بينياً

يتناول الفصل الأخير من الكتاب مفهوم «الحوار المتبادل» (Dia-logue)، مفككاً المصطلح إلى شطريه اليونانيين: (Dia) التي تعني المسافة والانزياح والعبور، و(Logos) التي تعني القاسم المشترك والمعقول. فالحوار الحقيقي ليس مجرد جولة مجاملات سريعة أو تبادل للكليشيهات النمطية، بل هو مسيرة تدريجية شاقة يتكشف فيها الذكاء المتقاسم من خلال إبقاء الانزياحات قائمة ومفعلة.

وفي هذا السياق، تحتل «الترجمة» موقع الصدارة بوصفها لغة العالم القادمة والفضاء البيني (Entre) الأمثل للحوار؛ فالترجمة لا تذيب اللغات في لغة هجين واحدة (كالإنكليزية المعولمة أو الغلوبيش)، بل تُفعل موارد كل لغة في مواجهة الأخرى، وتكشف عن إمكانات غير مطروحة في كلتا اللغتين. الترجمة هي التي تجعل التفاهم ممكناً دون القضاء على فرادة اللغات وأبعادها الفكرية الأصيلة.

📌 الخاتمة: المقاومة بالفكر وتوسيع أفق الإنسانية

يخلص فرانسوا جوليان في ختام كتابه الفلسفي العميق إلى أن التخلي عن أسطورة «الهوية الثقافية» ليس دعوة للذوبان في العولمة المتماثلة، بل هو شرط أساسي للمقاومة الإنسانية الحقيقية. إن المقاومة الفعلية اليوم تتطلب الوقوف ضد تهديدين متكاملين: تهديد التوحيد النمطي الذي يفرضه الاقتصاد التجاري، وتهديد الانكفاء الطائفي والتعصب الهوياتي الناجم عن ردة الفعل الحبيسة.

إن البديل الذي يطرحه جوليان هو فتح المجال لمشترك مكثف يستند إلى قوة الابتكار المخبأة في الانزياحات الثقافية، حيث يصبح الإنسان مستنفَراً، رشيقاً، ومتيقظاً، ينطلق من بؤرته الثقافية واللغوية المحلية ليعبر نحو عوالم وثقافات أخرى، رافضاً الانصياع للنماذج المعلبة وقادراً على استثمار كافة الموارد البشرية لبناء مستقبل مفتوح للإنسانية.

🎯 كيف يمكن لمجتمعاتنا العربية اليوم أن تستفيد من مفهوم «الموارد الثقافية» لتجاوز صراعات الهوية والانغلاق الحضاري؟

🔗 رابط الكتاب

اضغط هنا

تعليقات