التأسيس على التراث في العلوم الاجتماعية: نمذجة تطبيقية في علم الاجتماع

📘 تفاصيل الكتاب
عنوان الكتاب: التأسيس على التراث في العلوم الاجتماعية
المؤلف: فاروق إيهربيتن
الناشر: مؤسسة الموجة الثقافية
سنة النشر: 2026
📚 المقدمة: إعادة صياغة العلوم الاجتماعية من منظور التراث
يمثل كتاب «التأسيس على التراث في العلوم الاجتماعية: نمذجة تطبيقية في علم الاجتماع» للدكتور فاروق إيهربيتن مشروعاً معرفياً ورصيناً يسعى إلى تجاوز التبعية المفهومية والمنهجية التي ظلت ترتهن إليها العلوم الاجتماعية في العالم العربي والإسلامي. ينطلق المؤلف من أطروحة مركزية مفادها أن النظريات السوسيولوجية الغربية، برغم ما حققته من تراكم إمبريقي وتقني، ظلت محكومة بأكسيومات دهرية ومادية تختزل الإنسان في أبعاده السطحية وتفصله عن أصوله الروحية والوجودية. ومن هذا المنطلق، لا يكتفي الباحث بالنقد النظري المجرد، بل يقدم نماذج تطبيقية وأدوات بحثية ومقاييس استبيانية تبرهن على جدارة العقل الإسلامي في تفكيك الظواهر الاجتماعية وتفسيرها بناءً على رؤية موازناتية تجمع بين المادة والروح، وبين العقل والوحي.
تكمن أهمية هذا الإصدار المعرفي في كونه الكتاب الرابع ضمن سلسلة علمية تؤسس لبديل سوسيولوجي أصيل، حيث ينتقل فيه المؤلف من التنظير إلى مرحلة "النمذجة التطبيقية" وتوليد أطر بروتوكولية لاختبار مدى قدرة المفاهيم التراثية والمقاصدية على العطاء الإمبريقي في فروع سوسيولوجية متعددة، مثل سوسيولوجيا الحضارة، وسوسيولوجيا المدينة، وسوسيولوجيا الإنترنت، وسوسيولوجيا الدين والأسرة. وهو بذلك يفتح أفقاً جديداً للباحث العربي للانتقال من موقع المستهلك للنماذج الغربية إلى موقع المنتج المبتكر لأدوات تحليلية أكثر اتساقاً مع واقع المجتمعات الإسلامية وخصوصياتها الثقافية والدينية.
💡 النمذجة البديلة وتقويم مفهوم "جودة الحياة"
يبتدئ المؤلف تطبيقه المنهجي بدراسة نقدية مقارنة لتقارير "جودة الحياة" الغربية، متخذاً من تقارير مركز البحث الفرنسي (CREDOC) نموذجاً للتحليل. يفكك الباحث المفاهيم اللسانية والأنتولوجية المصاحبة لمصطلح bien-être، موضحاً كيف تم حصر هذا المفهوم في الغرب داخل النزعة الفردانية والرفاه المادي والسلعي، حتى عندما حاول توسيع مؤشراته لتشمل العلاقات الاجتماعية أو أوقات الفراغ. وفي مقابل هذا الاختزال، يطرح المؤلف مفهوم «الحياة الطيبة» المستمد من القرآن الكريم كبديل استغراقي يدمج الحاجات المادية والنفسية مع مركزية التعلق بالله والغاية الاستخلافية للإنسان في الوجود.
ولترجمة هذه الرؤية الفلسفية إلى أداة بحثية قياسية، يصمم الباحث نموذجاً استبيانياً بديلاً يعتمد على تقنية قياس "مركزية التعلق" و"قياس القيم والتوحيد"، حيث يُمنح الوزن الروحي والمعرفي المعامل الأكبر في تقييم مستوى استقرار الفرد وسعادته، مع مراعاة الهوامش النفسية والمادية. يوضح الجدول التالي المقارنة التحليلية بين المقاربتين الغربية والإسلامية كما صاغها الكتاب:
| وجه المقارنة | المقاربة الغربية (السوسيولوجيا الوضعية) | المقاربة الإسلامية الموازناتية |
|---|---|---|
| المرجعية الأساسية | المادية الفردانية والمصالح السلعية | المرجعية التوحيدية والمقاصد الاستخلافية |
| نطاق مفهوم جودة الحياة | محصور في الرفاه المادي والنفسي الأدنى | مفهوم "الحياة الطيبة" الشامل للدنيا والآخرة |
| طبيعة المؤشرات | تكميم استاتيكي للمؤشرات الاقتصادية | موازنة ديناميكية بين الروحي والنفسي والمادي |
| مركزية الإنسان | فاعل نفعي يسعى لتقليل الصراع | كائن مكلف يسعى للتحقق بالتعبد والتخلق |
🏛️ علم اجتماع الحضارة وتفكيك السرديات الحداثية
في الفصل المخصص لسوسيولوجيا الحضارة، يتناول الدكتور فاروق إيهربيتن المفهوم بالدرس والتمحيص، ناقداً النظريات التقدمية الخطية التي اختزلت الحضارة في التراكم المادي والتطور التكنولوجي، مثل أطروحات أرنولد توينبي، وألبرت شفيتزر، ويوفال نوح هراري. ويرى الباحث أن العقل الحديث وقع في مغالطة قياس الأدنى على الأعلى، حين جعل حركة المادة الصماء مرجعاً لقوانين الذات البشرية، مما أدى إلى سيادة النظريات العدمية والشكية في مرحلة ما بعد الحداثة. بينما تنطلق الرؤية الإسلامية من تراتبية وجودية تجعل التعبد والتخلق المقصد الأصيل للحضارة، بينما تمثل القوة المادية والعمرانية مقاصد تبعية خادمة للروح.
كما يخضع الكتاب الأطروحة الماركسية لنقد مفصل، مؤكداً أن الجدلية المادية وأسبقية الصراع الطبقي وسيلة قاصرة عن فهم حركة التاريخ البشري في كليته. فالإنسان ليس مملوكاً لوسائل الإنتاج، بل هو كائن مبدع ومستخلف يتفاعل مع المادة من موقع الفاعلية والعبودية لله. ويخلص المؤلف إلى أن نجاح النموذج الحضاري لا يُقاس بالضخامة العمرانية أو القدرة التقنية المحض، بل بالقيمة والكيف الناظم الذي يحفظ للذات الإنسانية كرامتها وحريتها من الاستلاب الدنيوي والربوي.
🏙️ سوسيولوجيا المدينة والتأثيل العمراني بين المعنى والمادة
يمتد التحليل التطبيقي في الكتاب إلى مجال "سوسيولوجيا المدينة"، حيث يراجع الباحث أطروحات ماكس فيبر، وإميل دوركهايم، وموريس هالبواكس، وب Pierre Bourdieu، موضحاً أن التفسيرات الغربية للمدينة ظلت تتأرجح بين الحتمية المورفولوجية أو الاختزال الاقتصادي والسياسي. ويقدم المؤلف بدلاً من ذلك منهجاً إسالمياً موازناتياً ينظر إلى المدينة باعتبارها جسداً عمرانياً يتنزل فيه المعنى الروحي والنية الباطنة في أشكال وتشكيلات مكانية. فالمركب العمراني في المدينة الإسلامية التاريخية (مثل فاس والمرابطين والموحدين) كان يضع المسجد والمركز الروحي في البؤرة الناظمة، لتتفرع عنه باقي المظاهر الاجتماعية والاقتصادية بتدرج وتراتبية تناسقية.
وفي دراسة ميدانية وتاريخية مقارنة تطرقت لحالة المغرب قبل الاستعمار ومدينتي الرباط وسلا، يوضح الباحث كيف تشكلت العلاقات العمرانية والاجتماعية بناءً على جدلية التوازن بين المركز والهامش، وبين البادية والمدينة. ويكشف الكتاب أن الانحراف العمراني المعاصر، المتمثل في انتشار الأحياء الهامشية العشوائية من جهة والأبراج الرأسمالية العالية من جهة أخرى، ليس إلا انعكاساً مادياً لاختلال الميزان الوجودي وسيادة القيم الاستهلاكية والتسلطية على حساب العمران الإحساني الذي يراعي الفطرة وسكينة الإنسان.
👨👩👧👦 علم اجتماع الأسرة والدين: من الوظيفية المادية إلى النمذجة المقاصدية
يتوج الكتاب مساره التطبيقي بالتأسيس لـ "علم اجتماع الدين" و"علم اجتماع أسري" من منظور إسلامي. يرفض المؤلف النظريات السوسيولوجية التي تتعامل مع الدين كمتغير تابع للظروف الاقتصادية أو الحتميات الثقافية (كما عند ماركس وفرويد وغيلنر)، مؤكداً أن العبودية والنزوع إلى التأليه حركة راسخة في الفطرة البشرية، وأن أي سلوك إنساني هو إما شهادة للدين أو تغييب له. ومن هنا يطور الباحث شبكة من المتغيرات والأدوات الاستبيانية الميدانية لقراءة السلوك الرقمي والتدين الصوفي والاجتماعي، بناءً على مقاييس "الصدقية" و"التعلق الروحي".
أما على مستوى الأسرة، فينتقد الكتاب النماذج الغربية التي تحصر الزواج في التعاقد النفعي أو الإشباع البيولوجي أو التوازن الوظيفي، والتي أدت إلى انهيار المنظومة الأسرية وارتفاع معدلات الطلاق في المجتمعات الحديثة. ويطرح الباحث النموذج الأسري المقاصدي القائم على المودة والرحمة والرحمانية، حيث تمثل الأسرة نواة وجودية خادمة للتحرر من أنانية الذات ومحفزة على الاستخالف الاجتماعي. ويتضمن الكتاب استمارات تطبيقية مفصلة تشمل المتغيرات البنيوية والقيمية والنفسية لقياس استقرار الأسرة وتماسكها المنهجي.
- المرتكز الروحي: جعل العبودية لله والنية الصالحة المحرك الأساسي للعلاقات الأسرية والاجتماعية.
- التراتبية المقاصدية: تقديم القيم الأخلاقية والتزكوية على المصالح المادية والنفعية الضيقة.
- التكامل لا الصراع: اعتماد مبدأ الزوجية والتكامل بين أفراد الأسرة والمجتمع بدلاً من أوهام الصراع الطبقي أو الفردانية.
- الأصالة المنهجية: استخدام أدوات قياس كمية وكيفية مستمدة من نسيج المعرفة الإسلامية والتراث الفقهي والسلوكي.
📌 الخاتمة: نحو أفق معرفي جديد في علم الاجتماع الإسلامي
يمثل كتاب «التأسيس على التراث في العلوم الاجتماعية» للدكتور فاروق إيهربيتن إضافة نوعية ومفصلية للمكتبة السوسيولوجية العربية والإسلامية. إنه ليس مجرد كتاب في نقد الغرب أو التغني بالماضي، بل هو دليل عملي وميداني يزود الباحثين بأدوات نمذجة دقيقة تسمح بقراءة الواقع الاجتماعي المعاصر بلغة علمية رصينة ومؤصلة. يستحث الكتاب السوسيولوجيين على الجرأة المنهجية والاستقلال المعرفي، لبناء علوم إنسانية تستمد روحها من التراث وتستجيب لتحديات الحاضر بكفاءة واقتدار.
🎯 سؤال تفاعلي: هل تعتقد أن النمذجة التطبيقية المستمدة من التراث القائم على المقاصد والتوحيد القادرةُ على تقديم حلول عملية للأزمات الاجتماعية والعمرانية المعاصرة بشكل أفضل من النظريات الغربية؟ شاركنا برأيك وتحليلك في التعليقات!
هل استفدت من المقال ؟ او لديك أي استفسار ؟ اترك تعليقك لنا.