تفاصيل الكتاب
- عنوان الكتاب: نظرية التأدب: بعض الكليات في استعمال اللغة
- المؤلفان: بنيلوبي براون - ستيفن لفنسن
- ترجمة وتقديم: هشام إبراهيم عبد الله الخليفة
- سنة النشر: 2023
- الناشر: دار كنوز المعرفة العلمية
- عدد الصفحات: 614 صفحة
مقدمة: لماذا تهمنا نظرية التأدب؟
في عالم يتسم بالتواصل المستمر عبر الثقافات واللغات المختلفة، يصبح فهم "التأدب" (Politeness) ليس مجرد مسألة أخلاقيات اجتماعية فحسب، بل أداة لغوية واجتماعية حيوية لتفسير التفاعلات البشرية. يُعد كتاب "نظرية التأدب: بعض الكليات في استعمال اللغة" للمؤلفين بنيلوبي براون وستيفن لفنسن، والمترجم للعربية بعناية الأستاذ هشام إبراهيم عبد الله الخليفة، مرجعاً تأسيسياً لا غنى عنه لكل باحث في اللسانيات التداولية وعلم الاجتماع اللغوي.
يقدم هذا العمل ترجمة دقيقة ومعمقة للنظرية الأكثر تأثيراً في مجال التأدب اللغوي، والتي أحدثت نقلة نوعية في فهم كيفية استخدام اللغة للحفاظ على العلاقات الاجتماعية وتجنب الصراعات. إن الحاجة ماسة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لاستيعاب هذه النظرية، خاصة في عصر العولمة حيث يحتك أفراد من خلفيات ثقافية متنوعة بشكل يومي، سواء في السلك الدبلوماسي، أو بين الطلبة الدارسين في الخارج، أو حتى السياح الذين يسعون لتجنب المواقف المحرجة والهفوات الثقافية.
نشأة النظرية وتأثيرها الخارق
تم تقديم نظرية التأدب الأكثر تأثيراً من قبل بنيلوبي براون وستيفن لفنسن في عامي 1978 و1987. لقد كان لعملهما تأثير خارق للعادة، وقد أثار نقاشاً على نطاق واسع جداً في الأوساط الأكاديمية العالمية، كما أشارت الباحثة جيني توماس. وفقاً ليان هونغ، فإننا ندين لبراون ولفنسن بالإطار النظري الأكثر إحكاماً وشهرة واستغلالاً، وبالطبع الأكثر عرضة للنقد أيضاً، مما يدل على حيويته وأهميته في الحقل العلمي.
حالياً، هناك أربعة نماذج رئيسية للتأدب في الدراسات اللغوية، ومن بين هذه الأربعة، كان أنموذج براون ولفنسن الفذ هو الأكثر تأثيراً وشمولية. لقد ولدت نظرية "حفظ الوجه" (Face-saving theory) لهذين الباحثين هائلاً من البحوث والدراسات التي تُعرف الآن بأنموذج حفظ الوجه. ومنذ نشرها الأول في 1978، لم يتوقف الجدل والبحث بشأن التأدب وآلياته في مختلف اللغات والثقافات.
أهمية النموذج في التحليل اللغوي
يشير شارودو ومنغو إلى أن للتأدب دوراً مهماً في الحوار عبر الثقافات، فضلاً عن الحوار بين أعضاء المجتمع ضمن الثقافة الواحدة. فالعصر الذي نعيشه الآن هو عصر حوار وتفاهم بين الثقافات، وهذا يقع في صميم الكتاب. إن الحاجة ماسة لتعلم ثقافة الآخر، وطريقة تفكيره، وطريقة تعبيره عن التأدب والاحترام. ومن هنا تقوم الحاجة للتوعية في مجال التأدب للعاملين في السلك الدبلوماسي وللطلبة الدارسين في الخارج وحتى للسياح وغيرهم ممن يحتكون بثقافة الآخر ليتجنبوا المواقف المحرجة والهفوات.
مفهوم "الوجه" واستراتيجيات التأدب
ترتكز نظرية براون ولفنسن بشكل أساسي على مفهوم "الوجه" (Face)، وهو الصورة الاجتماعية العامة التي يدعيها الفرد لنفسه أثناء التفاعل مع الآخرين. وتقسم النظرية الوجه إلى نوعين رئيسيين:
- الوجه الإيجابي (Positive Face): وهو رغبة الفرد في أن يكون مقبولاً ومحبوباً ومرغوباً فيه من قبل الآخرين، والرغبة في الانتماء لمجموعة اجتماعية.
- الوجه السلبي (Negative Face): وهو رغبة الفرد في الاستقلال الذاتي، وعدم imposition (فرض الرأي أو العبء) من قبل الآخرين، والحفاظ على حرية التصرف دون عوائق.
عندما نقوم بأفعال كلامية قد تهدد وجه المتحدث أو المستمع (مثل الطلب، الأمر، النقد، أو حتى الشكر)، فإننا نستخدم استراتيجيات تأدبية لتخفيف حدة هذا التهديد. وتصنف النظرية هذه الاستراتيجيات في هرمية تبدأ من الأسلوب المباشر (بدون تأدب) وصولاً إلى الأسلوب غير المباشر جداً (التلميح)، مروراً باستراتيجيات الوجه الإيجابي والسلبي.
الكليات اللغوية والتأدب
ما يميز كتاب "نظرية التأدب" هو محاولته وضع نموذج (Model) من مبادئ عالمية عامة لتحليل التفاعل والعلاقات الاجتماعية في أي مجتمع. يستخدم المؤلفان التأدب بوصفه الدافع الذي يفسر التوازيات المثيرة للاهتمام في ثلاث لغات وثقافات غير مترابطة هي:
- لغة "الزلتال" (Tzeltal) في المكسيك.
- لغة "التاميل"
- اللغة الإنكليزية.
بالإضافة إلى لغات أخرى، مما يعطي النظرية طابعاً شمولياً يحاول تجاوز الخصوصية الثقافية الضيقة للوصول إلى قوانين عامة تحكم السلوك اللغوي المهذب عبر البشر.
جهود الترجمة والتأصيل في العالم العربي
يُعد هذا الكتاب التأسيسي أول كتاب يصدر في العربية بشأن التأدب بهذه العمق والمنهجية. لقد بذل المترجم الأستاذ هشام إبراهيم عبد الله الخليفة جهداً كبيراً في ترجمة هذا الكتاب الصعب والمهم، محاولاً تيسير صعوباته عن طريق الهوامش التوضيحية العديدة والمقدمة التي بسط فيها فكرة الكتاب والنظرية.
لم يقف جهد المترجم عند النقل اللغوي فحسب، بل بين إسهامات العلماء العرب عملاً بمشروعه اللساني "التجديد والتأصيل". وقد دعا الباحثين العرب إلى الاهتمام بموضوع التأدب وذلك لقلة الدراسات بشأنه في العربية مقارنة باللسانيات الغربية. تأتي هذه الترجمة لتسد فجوة معرفية كبيرة في المكتبة العربية، خاصة في مجال اللسانيات التداولية (Pragmatics) التي تدرس اللغة في سياقها الاستخدامي.
إن نشر هذا الكتاب بواسطة دار كنوز المعرفة العلمية في عام 2023 يمثل إضافة نوعية للمكتبة الأكاديمية العربية، حيث يوفر للطلاب والباحثين نصاً مرجعياً موثوقاً يمكن الاعتماد عليه في تحليل الخطاب العربي وفهم آليات التأدب في ثقافتنا المحلية ومقارنتها بالنماذج العالمية.
نقد النظرية وتطويرها
رغم الشهرة الواسعة لنظرية براون ولفنسن، إلا أنها لم تخلُ من النقد. يشير بعض النقاد إلى أن مفهوم "الوجه" قد يختلف تعريفه وتطبيقه من ثقافة لأخرى، وأن النموذج الغربي قد لا ينطبق تماماً على المجتمعات الشرقية أو الجماعية (Collectivist Societies) التي قد تضع مصلحة المجموعة فوق استقلالية الفرد. ومع ذلك، تبقى النظرية الإطار الأكثر إحكاماً وشهرة، والأكثر قدرة على توليد فرضيات جديدة قابلة للاختبار في سياقات لغوية متنوعة.
لقد فتحت نظرية براون ولفنسن الباب على مصراعيه في مجال اللسانيات الاجتماعية التفاعلية، من خلال دراسة ظاهرة التأدب في لغات مختلفة، مما أدى إلى ظهور دراسات مقارنة غنية تثري فهمنا للتنوع اللغوي البشري.
الخاتمة: نحو تواصل أكثر فعالية
في الختام، يعد كتاب "نظرية التأدب" لبنيولوبي براون وستيفن لفنسن، بترجمة هشام الخليفة، بمثابة دليل ضروري لكل من يسعى لفهم الأعماق الخفية للتواصل البشري. إنه ليس مجرد كتاب أكاديمي جاف، بل هو أداة عملية لفك شفرات التفاعل الاجتماعي، وفهم كيف نحافظ على كرامتنا وكرامة الآخرين في حديثنا اليومي.
النقاط الأساسية التي يجب تذكرها:
- التأدب استراتيجية لغوية لحفظ "الوجه" الإيجابي والسلبي.
- النظرية تقدم نموذجاً عالمياً قابلاً للتطبيق في ثقافات متعددة.
- الترجمة العربية تمثل خطوة رائدة في تأصيل الدراسات التداولية في الوطن العربي.
- فهم التأدب يساعد في تجنب سوء الفهم الثقافي ويعزز الحوار الحضاري.
هل أنت مستعد لتعميق فهمك للغة والتواصل؟
رابط قراءة الكتاب 👇
هل استفدت من المقال ؟ او لديك أي استفسار ؟ اترك تعليقك لنا.