تفاصيل الكتاب
مدخل إلى علوم اللغة
المؤلف: جان، فرانسوا دورتييه
المترجم: أحمد حاجي صفر
المراجع: بسام بركة
سنة النشر: 2025
الناشر: المنظمة العربية للترجمة
الذكاء الاصطناعي والترجمة: تحديات المستقبل
بات واضحا أن التحدي الأكبر الذي ستواجهه الترجمة في السنوات العشر المقبلة هو الذكاء الاصطناعي، أتاحت بعض الشركات العملاقة منصاتها الخاصة للجمهور من أجل أن يختبر إمكانات هذا الذكاء الاصطناعي، ولكي تحصل بدورها على ردود الفعل التي ستغني تجربتها وتدعم قواعد بياناتها. وقد تباينت آراء المستخدمين بين التخوف من استلابهم حق التفكير، وخضوعهم إلى عبودية إلكترونية مطلقة، وبين تفاؤل بقرب الوصول إلى حلول وأجوبة ظلت مستعصية على التفكير البشري حتى الآن.
ما هو الذكاء الاصطناعي في الترجمة؟
الذكاء الاصطناعي ذكاء بشري عملاق منظم في صيغ معادلات و خوارزميات تسمح بالترجيح وأخذ القرار بناء على مدونات لمخزنة. وبناءً على هذا التعريف فإن الذكاء الاصطناعي، ولا سيما على صعيد الترجمة سوف يقود إلى واقع يمتاز بخصائص، منها ما هو إيجابي، ومنها ما هو سلبي، وهنا تظل الفرصة متاحة للإنسان إن استطاع أن يأخذ قراراته بهذا الصدد، ومن خصائص الواقع الذي سينتج عن إدراج الذكاء الاصطناعي في عملية الترجمة ما يأتي:
انخفاض الكلفة المادية
ستنخفض الكلفة المادية التي كانت تشكل عائقا كبيرا أمام بعض دور النشر، والمؤسسات العلمية والبحثية والجامعات إن الأزمات التي تعصف بالعالم كله تقريبا في شرقه وغربه وشماله وجنوبه، تدفع بالحكومات ومؤسساتها إلى تنفيذ خطط تقشف، كانت ضحيتها الأولى الجامعات والمؤسسات البحثية، ومراكز الترجمة.
التخطيط الاقتصادي الرشيد
إلا أن التخطيط الاقتصادي الرشيد يمكن أن يعيد التوازن إلى هذه المعادلة بقصر استخدام الذكاء الترجمي الاصطناعي على الميادين التقانية التي استكملت بناء مدوناتها المصطلحية والتعبيرية. أما الميادين التي ما تزال فسحة التعبير الأدبي فيها واسعة، ويدخل في بنائها الأسلوب والبلاغة فلا بد من إرجاء استخدامه فيها إلى أن تستكمل بناء منظومات حسابية تستوعب الدلالة بكل أبعادها، والبلاغة بكل صورها، والأسلوب بكل خصائصه
تأثير الذكاء الاصطناعي على الإبداع والأسلوب
هذا الأسلوب الذي طالما تناولته الدراسات والبحوث على صعيد الإنتاج الأدبي أو الفكري وأغفلت دراسته على الصعيد الترجمي هو أول ضحايا الذكاء الاصطناعي لكل مترجم أسلوبه، ويكفي النظر في الترجمات المنجزة قبل دخول الذكاء الاصطناعي للتحقق من ذلك. أما الآن، وقد بدأت بالفعل بعض دور النشر باعتماد مبدأ الترجمة الآلية المراقبة، فإن المنتج سيكون بلون واحد، أي بأسلوب واحد هو أسلوب هجين رتيب، يلغي مساحة الإبداع البشري في بناء النص المترجم ليتناسب مع جمهوره الذي أعد من أجله.
الحرية والإبداع: ضحيتان أخريان
الحرية والإبداع ضحيتان أخريان من ضحايا الذكاء الترجعي الاصطناعي ذلك أن المقترحات الترجمية والمقابلات والمكافئات محدودة بحدود المدونة المعجمية والصرفية والنحوية لأداة الذكاء الاصطناعي هذا الفقد سيقود إلى عولمة ترجمية أشبه ما تكون بشطائر (البرغر) التي تباع في كل أنحاء العالم، ولا يختلف شكلها من دولة إلى أخرى، ولا تراعي خصوصية البلدان التي تباع فيها إلا بحدود ما تسمحبه العادات والتقاليد والدين، وهي أمور ضئيلة شكليا، طالما أن المحتوى واحد.
توطين الذكاء الاصطناعي: واقع لا مفر منه
لا يستطيع أي امري أن يجابه حركة توطين الذكاء الاصطناعي في شتى مجالات الحياة ذلك أن القوى التي تدعم ذلك هي القوى العظمى المتحكمة بحركة سير العالم، وبسيرورة الأمور. لقد بات الشغل الشاغل للأساتذة في المدارس والجامعات اكتشاف مواطن استخدام الذكاء الاصطناعي في الواجبات والأبحاث والمشاريع التي يقدمها الطلاب، وهي مهمة أشبه بالتحقيق الجنائي في ظروف معقدة.
المستقبل: دمج الذكاء الاصطناعي بالدماغ البشري
لن تتوقف المسألة عند هذا الحد بما أن علوم الدماغ والأعصاب والعلوم المعرفية تخطو بخطى عملاقة في الوقت الراهن، وتكاد تصل إلى نتائج خيالية في فك رامزة الدماغ البشري فإن الذكاء الاصطناعي الموجود ضمن أجهزة الحاسوب والهاتف سينتقل ليدمج بالدماغ وذلك سعيا وراء توفير الوقت والجهد. إن الشرائح والرقاقات الإلكترونية التي ستنتشر بسرعة فائقة في النصف الثاني من هذا القرن ستمنح الإنسان القدرات الخارقة التي كان يحلم بها بغية حل أعقد المعادلات الرياضية، والإجابة عن كل الأسئلة الموجهة إليه. قد يبدو هذا الأمر أشبه بمشهد من الخيال العلمي، إلا أنه حقيقي، وقد بدأت بوادره بالظهور والانتشار فعلا سيكون على الأهل في لحظة من لحظات حياتهم أن يقرروا ما نوع الشريحة التي ستزرعها لطفلنا عند ولادته - أو ربما قبل ذلك كي يحيا حياة صحيحة في عالم مبني على التنافس الشرس من أجل البقاء.
الأسئلة الأزلية حول اللغة
يرتبط كل ذلك بالسؤال الأزلي، وربما الأبدي ما اللغة؟ يستتبع هذا السؤال أسئلة أخرى كثيرة من قبيل: كيف تنشأ اللغة؟ وكيف تعمل ؟ وما علاقتها بالفكر ؟ وكذلك: ما طرق دراستها ومناهج تحليلها، قديما وحديثا ؟ وما العلوم التي تحلل مكوناتها أو تصف علاقاتها مع المجتمع والمكان والزمان ؟ .....
هذا الكتاب يحاول الإجابة عن بعض هذه الأسئلة من خلال مقاربتها من منظورات مختلفة تاريخية، معرفية، رياضية وظيفية، وغيرها. ولأن هذه اللغة هي الجواب المفتاح لفهم آليات عمل الدماغ، فإن السعي وراء إدراك جميع أبعادها بات ضرورة ملحة، وإذا ما وضعنا مسألة الخصائص العالمية (الكليات) جانباء مع قناعتي العميقة بوجودها، فإن كل أُمَّةٍ يجب أن تنهض بمشروع قومي يتضمن القيام بمسح دماغي عميقي لآليات لغتها، ودراسة جديدة في ضوء المعارف الفيزيائية والكيميائية الحديثة لفهم آليات إنتاج الكلام، ليس على الصعيد الصوتي، فقد أشبع هذا الميدان بحثا، بل على صعيد إنتاج المعنى.
الأمراض اللغوية ومراكز البحث
كذلك، فإن الأمراض اللغوية التي تشكل مصدرا أساسيا في فهم اللغة يجب أن تخصص لها مراكز بحثية قومية متطورة، وأن تجمع جهود المراكز الصغير المتناثرة في أرجاء الوطن العربي لتعمل معا على وضع بروتوكولات علاجية ملائمة تنطلق من تشريح معقق لكل حالة من الحالات وبيان خصوصيتها أو عموميتها، ومدى صلاحيتها في البلدان كافة.
اللغة: خاصية إنسانية جامعة
هذا الكتاب، والكتاب الذي سبقه محاولة مشتركة لعلماء أجلاء درست على بعضهم، والتقيت عددا منهم في مؤتمرات وجلسات بحثية وعلمية للإحاطة بتلك اللغة التي تجمع أبناء الإنسانية جمعاء قد يختلف الناس في أمور كثيرة، لكنهم يجتمعون في خصيصة تميزهم عن سائر الكائنات: إنها اللغة. إلا أن هذه اللغة قد تكون مصدرا من مصادر التوثر والصراع، وذلك لارتباطها الوثيق بمفهوم القومية والعرقية. إلا أن أجود جواب لحل مثل هذه المشكلات هو ما جاء به لويس - جان كالفي إذ يرى أن الهويات يجب أن لا تبنى على معادلة يجب أن تكون محصلتها الصفر، بمعنى أن الأولى تنفي، أو تقصي الثانية، بل على معادلة محصلتها إيجابية.
دور الترجمة في بناء الأمم
إن الترجمة يمكن أن تسهم في بناء الأمم، وهذا أمر بات بينا لكثير من الناس، لكنها يجب أن تؤدي دورها في الكشف عن خصائص اللغة (اللغات البشرية. ولعل مدونات المترجمين السيرذاتية، وكتاباتهم عن تجاربهم الترجمية هي أحد المفاتيحالممكنة لمعرفة آليات عمل الدماغ البشري في توليد الدلالة بناءً على منتج مسبق.
منهجية الترجمة وملاحظات المترجم
لقد حاولت في هذه الترجمة أن أنتج نصا خاليا من الكلمات الفرنسية، إلا في الأمثلة الإيضاحية، سعيا وراء تقديم نصي تسهل قراءته، ويسهل استيعابه، وقد أوردت لكل المصطلحات المستعملة ثبتا في نهاية الكتاب مرتبا الفبائيا كي يستطيع القارئ الوصول إلى المكافئ الفرنسي بيسر وسهولة. وكذلك فعلت في أسماء الأعلام - من المؤلفين، والبلدان والقبائل وغيرها الواردة في النص الأصلي.
أما الحواشي الشارحة فقد جاءت بغية منح القراء الذين لا يعرفون اللغة الفرنسية وتاريخها شيئًا من المعرفة التي تكشف ما قد تخفيه التعبيرات والأمثال والتركيبات الفرنسية المستعملة.
أمل أن يكون هذا الكتاب، والكتاب الذي سبقه، حقيبة معرفية مفيدة للأساتذة والطلاب الجامعيين، وللقارئ الراغب في اكتشاف مجاهل اللغة، ويسعى إلى الحصول على إجابات وافية عن أسئلته المتعلقة باللغة: ما هي؟ وكيف بدأت؟ وهل هي طبيعية أم اصطناعية؟ وهل اللغة مرقونة في شريطنا المورثي؟ وما علاقتها بالفكر والتفكير ؟ وكيف نكلسيها أو نتعلمها، وغيرها من الأسئلة.
الخلاصة والتوصيات
النقاط الأساسية:
- الذكاء الاصطناعي يمثل تحدياً وفرصة في آن واحد لمجال الترجمة
- ضرورة التوازن بين التكنولوجيا والإبداع البشري
- أهمية الحفاظ على الخصوصيات اللغوية والثقافية
- الحاجة إلى مشاريع بحثية قومية لدراسة اللغات
- التنوع اللغوي ثروة يجب الحفاظ عليها
الفائدة المرجوة:
يقدم هذا الكتاب رؤية شاملة ومعمقة لعلوم اللغة من منظور متعدد التخصصات، مما يجعله مرجعاً أساسياً للباحثين والطلاب على حد سواء. إن فهم آليات عمل اللغة والدماغ يمثل مفتاحاً لتطوير الترجمة والحفاظ على التنوع اللغوي في عصر الذكاء الاصطناعي.
شارك هذا المقال مع زملائك وطلابك
ساهم في نشر المعرفة اللغوية والثقافية 🌟
هل استفدت من المقال ؟ او لديك أي استفسار ؟ اترك تعليقك لنا.