آخر المواضيع

كتاب الذكاءات المتعددة

💾 تفاصيل الكتاب

  • اسم الكتاب: الذكاءات المتعددة
  • تأليف: طارق عبد الرؤوف عامر - ربيع محمد
  • نشر: دار اليازوري العلمية
  • سنة النشر: 2008
كتاب الذكاءات المتعددة طارق عامر

مقدمة في مفهوم الذكاءات المتعددة والثورة على التقليد

لقد ظلت الممارسة التربوية مقيدة حتى الآن بنظرة ضيقة للذكاء؛ حيث إنها تعتبر ذكاء المتعلم أو المتعلقة عبارة عن قدرة واحدة وموحدة يمكن تلخيصها أو التعبير عنها من خلال رقم معين يطلق عليه "معامل الذكاء" (IQ). هذه النظرة الكلاسيكية التي سادت لعقود طويلة افترضت أن الذكاء صفة فطرية ثابتة لا تتغير، وأن النجاح الأكاديمي والحياتي مرهون فقط بمدى تفوق الفرد في مجالات محددة للغاية.

كما أن هذه النظرة التقليدية للذكاء ظلت محدودة من حيث القدرات العقلية التي يتم قياسها أو الاعتماد عليها في تحديد مستوى الذكاء الذي يتوفر عليه الطفل. وهذه القدرات هي: اللغة والرياضيات. وهما المجالان اللذان يطغيان على البرامج المدرسية التقليدية، حيث إنه من الصعوبة بمكان أن يتمكن المتعلمات والمتعلمون الضعفاء لغوياً أو رياضياً من مواصلة مسيرتهم التعليمية بنجاح في النظام المدرسي التقليدي، مما أدى إلى وأد الكثير من المواهب الفطرية في مجالات أخرى.


ثورة هاورد غاردنر: نظرية الذكاءات المتعددة

ورداً على هذا المنظور الضيق، ظهرت في السنوات الأخيرة العديد من الدراسات والنظريات السيكولوجية، تثبت بكل جلاء أن الذكاء الإنساني يشتمل على مهارات متعددة، وتدعو الأنظمة المدرسية إلى مراجعة تعاملها مع المتعلمين. ولعل أهم نظرية تذهب في هذا الاتجاه الجديد هي نظرية "الذكاءات المتعددة" التي بلورها الباحث الأمريكي الشهير هاورد غاردنر (Howard Gardner).

انطلق غاردنر في أبحاثه الميدانية من دراسة مجموعات مختلفة من الأشخاص، شملت الأطفال الموهوبين والأشخاص الذين تعرضوا لإعاقات عقلية أو إصابات في الدماغ. فقد توصل إلى أن القدرة العقلية عند الإنسان تتكون من عدة ذكاءات، وأن هذه الذكاءات مستقلة عن بعضها البعض إلى حد كبير، بحيث يمكن للفرد أن يكون نابغة في مجال ما ومتوسطاً أو ضعيفاً في مجال آخر. وحسب آخر ما ورد في هذا الموضوع، فإن الفكر البشري يشتمل على ثمانية ذكاءات أساسية.


تحليل أنماط الذكاءات الثمانية وتطبيقاتها

1- الذكاء اللغوي (Linguistic Intelligence)

وهو التميز في استعمال اللغة والإقبال على أنشطة القراءة والكتابة ورواية القصص والمناقشة مع الآخرين. يتمتع أصحاب هذا الذكاء بقدرة فائقة على تذكر الكلمات واستخدام التشبيهات اللغوية المعقدة، مع إمكانية الإبداع في الإنتاج اللغوي أو الأدبي وما يتصل بذلك مثل الشعر والقصة والمقال الصحفي.

  • الوسيلة المفضلة للتعلم: القراءة، الاستماع، المحاضرات، وكتابة المذكرات.
  • المهن المناسبة: الكتاب، الشعراء، الصحفيون، الخطباء، والمحامون.

2- الذكاء الرياضي - المنطقي (Logical-Mathematical Intelligence)

يتمثل في التميز في القدرة على استعمال التفكير الرياضي والمنطقي، والإقبال على حل المشكلات المعقدة ووضع الفرضيات واختبارها. يبرع هؤلاء في تصنيف الأشياء واستعمال المفاهيم المجردة وفهم العلاقات بين الأرقام.

  • الوسيلة المفضلة للتعلم: استعمال الرموز، الرسوم البيانية، التجارب العلمية، وحل الألغاز المنطقية.
  • المهن المناسبة: المتفوقون في الرياضيات، المهندسون، المبرمجون، والعلماء الباحثون.

3- الذكاء الفضائي - البصري (Spatial Intelligence)

وهو التميز في القدرة على استعمال الفضاء بشتى أشكاله، بما في ذلك قراءة الخرائط والجداول والمخططات وتخيل الأشياء وتصور المساحات ثلاثية الأبعاد. يمتلك هؤلاء "عيناً" فنية تدرك التفاصيل البصرية التي قد تغيب عن غيرهم.

  • الأنشطة المفضلة: التصوير، تلوين الأشكال، بناء المجسمات، والتمعن في الأماكن الهندسية.
  • المهن المناسبة: الفنان التشكيلي، المهندس المعماري، صانع الديكور، والملاحون.

4- الذكاء الجسمي - الحركي (Bodily-Kinesthetic Intelligence)

يعبر عن التميز في كل ما يتصل باستعمال الجسد بمهارة وتناسق، مثل الألعاب الرياضية والرقص والمسرح والأشغال اليدوية الدقيقة التي تتطلب تآزراً حركياً عالياً.

  • الوسيلة المفضلة للتعلم: المناولة العملية، التحرك، التعبير الجسدي، والتعلم عن طريق اللمس والعمل اليدوي.
  • المهن المناسبة: الأبطال الرياضيون، الجراحون، الممثلون، والحرفيون المهرة.

5- الذكاء الموسيقي (Musical Intelligence)

هو القدرة المتميزة على تعرف الأصوات وتذوق الأنغام وتذكر الألحان والتعبير بواسطتها. أصحاب هذا الذكاء لديهم حساسية عالية للإيقاع والنبرة والطبقة الصوتية.

  • الوسيلة المفضلة للتعلم: الغناء، الإيقاع، اللحن، واستخدام الموسيقى كخلفية للدراسة.
  • المهن المناسبة: الملحنون، المغنون، العازفون، ومهندسو الصوت.

6- الذكاء العلائقي - الاجتماعي (Interpersonal Intelligence)

يتجلى في القدرة على ربط وتمتين علاقات إيجابية مع الغير، وفهم دوافع الآخرين ومشاعرهم، ولعب أدوار قيادية وحل الخلافات بحكمة. أصحاب هذا الذكاء هم "محرك" المجموعات الاجتماعية.

  • الوسيلة المفضلة للتعلم: العمل الجماعي، التعاوني، المناظرات، والتعلم من خلال التدريس للآخرين.
  • المهن المناسبة: القادة السياسيون، النقابيون، المعلمون، والمصلحون الاجتماعيون.

7- الذكاء الذاتي - الفردي (Intrapersonal Intelligence)

يتمثل في القدرة العميقة على معرفة النفس والتأمل في نقاط القوة والضعف الذاتية. يتميز هؤلاء بالاستقلالية العالية والقدرة على وضع أهداف شخصية والالتزام بها.

  • الوسيلة المفضلة للتعلم: العمل الانفرادي، المشاريع المستقلة، التأمل، وكتابة المذكرات الشخصية.
  • المهن المناسبة: علماء النفس، الفلاسفة، الرهبان، والمخططون الاستراتيجيون.

8- الذكاء الطبيعي (Naturalist Intelligence)

هو القدرة على التعامل مع الطبيعة وعناصرها من نباتات وحيوانات وبيئات مختلفة. يتجلى التميز هنا في حب الاستكشاف البيئي وتصنيف الكائنات الحية وفهم النظم الإيكولوجية.

  • الوسيلة المفضلة للتعلم: الرحلات الميدانية، زراعة الحدائق، جمع العينات الطبيعية، والتعلم في الهواء الطلق.
  • المهن المناسبة: علماء الطبيعة، الأطباء البيطريون، المختصون في علوم البحار، والمزارعون.

التفاعل بين الذكاءات: كيف نفهم التميز البشري؟

تجدر الإشارة إلى أن الفرد بإمكانه أن يتوفر على واحد أو أكثر من هذه الذكاءات بنسب متفاوتة؛ فالذكاء المتوفر يشكل تميزاً بالمقارنة أولاً مع الذكاءات الأخرى لدى نفس الشخص، وثانياً بالمقارنة مع الأشخاص الآخرين.

إن الذكاء ليس مجرد وراثة، بل هو قدرة قابلة للنمو والتطوير إذا ما وجدت البيئة المحفزة. هذه النظرية توضح لنا أنه من الخطأ العلمي تقييم القدرات العقلية للمتعلم فقط من خلال المهارات اللغوية أو الرياضية؛ كما أنه من غير المنطقي أن تركز المناهج التربوية على هذه المجالات الضيقة وتقصي المهارات المعرفية الأخرى التي قد تكون هي مفتاح نجاح الطالب في حياته العملية.

واجب المدرسة والمناهج الحديثة

انطلاقاً من تعدد الذكاءات والاختلافات الجوهرية داخل الفصل الدراسي، فإنه من باب الإنصاف والعدالة التربوية، بل ومن باب الواجب الأخلاقي والمهني، أن تُتاح لكل متعلم ومتعلمة الفرصة والوسيلة المناسبة للتعلم. إن المناهج مطالبة اليوم بما يلي:

  1. تنويع المحتويات المدرسية: بحيث لا تقتصر على النصوص المكتوبة فقط.
  2. تعدد مداخل التعلم: استخدام الفن، الموسيقى، الحركة، والتعاون الاجتماعي لتوصيل المعلومة.
  3. تكييف التقييم: لا ينبغي أن يكون الامتحان التحريري هو الوسيلة الوحيدة لقياس الفهم.

أهمية تطبيق نظرية الذكاءات المتعددة في التعليم

إن تطبيق هذه النظرية في الميدان التربوي يؤدي إلى نتائج إيجابية مذهلة، منها زيادة دافعية التعلم لدى الطلاب الذين كانوا يشعرون بـ "الفشل" في النظام التقليدي. عندما يجد الطالب أن موهبته في الرسم أو الرياضة أو التواصل مع الآخرين مُقدرة ومستخدمة في عملية التعلم، فإنه يستعيد ثقته بنفسه ويبدأ في التفوق.

علاوة على ذلك، تساهم هذه النظرية في إعداد جيل قادر على مواجهة تحديات سوق العمل المتنوعة، حيث لم يعد النجاح مقتصرًا على الأطباء والمهندسين، بل امتد ليشمل المبدعين في كافة المجالات الرقمية والفنية والاجتماعية.

رؤية نقدية وتطويرية

على الرغم من الانتشار الواسع لنظرية غاردنر، إلا أنها واجهت بعض الانتقادات التي اعتبرتها "مواهب" وليست "ذكاءات" بالمعنى البيولوجي الصرف. ومع ذلك، يظل أثرها التربوي لا ينكر، حيث نقلت التركيز من "كم ذكاء الطالب؟" إلى "كيف يكون هذا الطالب ذكياً؟". وهذا التحول في السؤال هو جوهر التغيير الذي نحتاجه في مؤسساتنا التعليمية العربية.


📘 رابط الكتاب

لمزيد من التفاصيل والتعمق في استراتيجيات التدريس وفق الذكاءات المتعددة، ننصحكم بقراءة الكتاب كاملاً.


تعرف أكثر على تاريخ نظرية الذكاءات المتعددة عبر ويكيبيديا.

Mohammed
Mohammed
تعليقات