التقليد عند الأطفال

التقليد عند الأطفال







إن التقليد هو ميل واستعداد فطري يولد به الطفل فيدفعه إلى محاكاة غيره في أفعالهم وأقوالهم، وعن طريق التقليد يكتسب الطفل الكثير من المهارات والقيم والتقاليد والعادات والتقليد من المهارات الهامة واللازمة في نمو الطفل وتعلمه، فبدون محاكاة لن يتعلم الطفل اللغة وبدون محاكاة لن يتعلم الطفل التفاعل الاجتماعي مع المحيطين، ويستخدم الطفل التقليد في الحصول على المعلومات من العالم المحيط به، فالتقليد هو إحدى الأشكال الرئيسية للاتصال الإنساني.

مفهوم التقليد

يعرف التقليد بأنه تكرار (متطابق) من قبل المقلد لتعبيرات الوجه، والحركات، والأفعال (مع أو بدون أشياء)، لشخص آخر (النموذج) . يستخدم المقلد نفس السلوك الذي يتبعه النموذج للوصول إلى نفس الهدف على الرغم من عدم وجود توافق في الآراء حول ما إذا كانت القدرة على التقليد فطرية أم لا.

والتقليد هو عبارة عن إخراج أو إنتاج أعمال النمذجة في السمة أو طبيعة أعمال جديدة، وبالتالي فإن له خاصيتين، الأولى تتعلق بالآليات الأوتوماتيكية التي تتطلب من الشخص أن يفهم الأشخاص، أنما يقوم به النموذج بشكل مطابق ، أما الثانية : فتتعلق بالوعي الذاتي لمحاولة تقليد النموذج .

كما يعتبر التقليد أحد المهارات النمائية والتي تظهر مبكرا وفي خلال الثلاث أسابيع الأولى من عمر الرضيع وبشكل مستقل في محاولة لتقليد تعبيرات وجه الأشخاص من حولهم وبخاصة مقدمي الرعاية.

كما أنه مهارة تواصل اجتماعي مهمة تظهر في وقت مبكر من التطور ويلعب دوراً حاسماً في تطوير المهارات المعرفية والاجتماعية

والتقليد بأنه ميل فطرى يدفع الإنسان إلى محاكاة غيره في أقواله وأفعاله، وقد يحدث التقليد دون أن يشعر الإنسان وبغير تفكير كتقليد الطفل للهجة أبيه في الكلام، وكإبتسامة إنسان لمجرد رؤيته وجها يبتسم ، وكبكاء الطفل عندما يسمع بكاء غيره، وقد يحدث التقليد شعوريا فيفكر الإنسان في أن يقوم بحركات غيره.

إذن الطفل يعتمد على التقليد لتعلم معظم المهارات وذلك من خلال البيئة المحيطة به من خلال أبويه وإخوته والمحيطين به بشكل عام فيقوم الأطفال بتقليد الأبوين في طريقة الكلام المشي وأساليب تعاملهم مع الغير، فهم يقلدون كل شيء يقع تحت ملاحظتهم فكل يوم يقلد الطفل فكرة جديدة على حسب ما يسمع أو يشاهد ولقد أشار معظم المختصين في مجال التواصل إلى عنصر التقليد ودوره في اكتساب اللغة لدى الطفل.

تطور التقليد لدي الأطفال

قسم جان بياجيه تقليد الرضع إلى ثلاث مستويات رئيسية :

المستوي الأول : 0 - 8 شهور

يقتصر الرضع علي تقليد حركات اليد البسيطة والغناء. علي سبيل المثال، من المتوقع أن يقلد طفل بالغ من العمر ٦ أشهر حركات بسيطة لفتح اليد أو صوت / a / حتي لو لم يكن لدي الطفل تجربة تعلم ذات صلة، تتمثل فكرة بياجيه في أنه يمكن تحقيق هذين النوعين من التقليد علي أساس عملية المطابقة، يمكن للطفل أن يقارن مباشرة حركات يد الكبار مع تلك التي في يده المرئية، وبالتالي يستخدم الرؤية كدليل في عملية المطابقة، وبالمثل يمكن أن يستخدم الرضيع الاختبار لرصد أصواته ونموذجه وتوجيه أصواته حتي يبدوا مثل صوت النموذج.

المستوي الثاني : 8 - 18 شهراً

يصبح الرضع قادرين على تقليد سلوكيات الوجه والأفعال الجديدة. إن الادعاء الأساسي الذي قدمه بياجيه هو أن الصعوبات التي ينطوي عليها التقليد اليدوي والصوتي تتضاءل بالمقارنة مع أولئك المتورطين في تقليد الوجه. لأن الرضع لا يمكنهم رؤية وجوههم الخاصة ، لا يمكنهم مقارنة أفعالهم مباشرة مع تلك التي يرونها. وفقًا لياجيه ، يعد تقليد الوجه (أو التقليد غير المرئي كما يطلق عليه أحيانًا) إنجازًا إدراكيًا بارزًا يتم تمريره لأول مرة خلال المرحلة 4 من فترة الحركة الحسية.

المستوي الثالث : 18 - 24 شهراً

يتميز المستوي الثالث بظهور التقليد المؤجل والقدرة على إدراك السلوك في وقت واحد ، دون الاستجابة في وجود المظاهرة ، لتأخير الازدواجية لفترة طويلة . التقليد المؤجل ينطوي مباشرة على القدرات التذكيرية والتمثيلية ، وجادل بياجيه أنه ظهر بشكل متزامن مع القدرات المعرفية المعقدة الأخرى مثل دوام الكائن عالي المستوى (البحث عن الأشياء النازحة بشكل غير مرئي) ، واللعب الرمزي ، وحل المشكلات الثاقبة. كل هذه التطورات المتزامنة شكلت ما أسماه بياجيه بالمرحلة 6 ، وهي المرحلة الحسية الحركية الأخيرة للطفولة.

وأوضح فلانجان Flanagan أنه من خلال مهارات التقليد يتعلم الطفل المشاركة في السلوكيات التي تحتاج إلى اتخاذ الدور والإستماع إلى كلام الآخرين والإستماع إلى صوته هو نفسه وإنتاجه للكلام، والتقليد جزء مهم من نمو الكلام واللغة بشكل طبيعي وذلك من خلال نسخ الحركات التي يرونها والأصوات والكلمات التي يسمعونها في بيئاتهم.

افترض جان بياجيه ، أن الأطفال طوروا القدرة على التقليد خلال السنة الأولى من حياتهم. لكن تغير هذا الرأي في منتصف السبعينيات عندما سعت الدراسات التي أجراها آندي ميلتزوف وزملاؤه إلى إثبات أن الأطفال كانوا قادرين بالفعل على تقليد السلوك بعد ساعات قليلة من ولادتهم. نظرًا لأن حديثي الولادة لديهم قدرة قليلة على القيام بحركات مدروسة ، كان على هذه الدراسات التركيز على السلوكيات البسيطة جدًا. على سبيل المثال ، سيخرج الباحثون ألسنتهم ثم يلاحظون ما إذا كان الرضع سيقلدون هذا الفعل أشارت النتائج الأولية إلى أن الرضع ربما يقلدون سلوك الباحثين .

لأكثر من 30 عاما ، اعتبرت هذه النتائج دليلاً على قدرة فطرية على التقليد ، وتم اعتماد هذا الرأي من قبل الكتب المدرسية في مجالات علم النفس والتعليم. لكن السنوات العشر الماضية شهدت شكوكا متزايدة لسبب واحد ، استندت استنتاجات ميلتزوف وزملائه على عينات صغيرة ، أكثر عرضة للخطأ . فشل عدد من الدراسات الأحدث والأوسع نطاقا في تقديم أدلة على مثل هذه القدرة الفطرية على التقليد. لذا إذا كانت القدرة على التقليد ليست فطرية ، فكيف تتطور؟

أنواع التقليد

هناك نوعان من التقليد هما :

1 - التقليد الحركي

يشير (2007) Barbera أن التقليد الحركي هو القدرة علي تقليد لسلوك الحركة للأشخاص الآخرين، ويلعب التقليد الحركي دوراً هاماً في التطور اللفظي والاجتماعي للطفل والتقليد من المهارات المهمة لنمو الطفل وتعليمه، فمن دون التقليد لن يتعلم الطفل اللغة والتفاعل الاجتماعي مع المحيطين به.

وتقليد (محاكاة) عمل يجري علي أشياء وينطوي هذا النوع علي تقليد شخص ما هو يمارس عملاً معيناً علي شئ كخبط لعبة بأخري، أو الضغط علي زر لعبة وتقليد حركات الاشخاص من خلال محاكاة حركات بسيطة كرفع اليد أو اليدين معا أو ممارسة القفز، تقليد حركة الوجه مثل : تقليد حركة الوجه في الابتسامة أو العبوس 

ويشير Barbara , إلى أمور يجب أخذها بعين الاعتبار عند البدء بتدريب الطفل علي التقليد الحركي وهي:
  • يجب تقديم المحاولة فقط عندما يكون الطفل منتبها للمعلم
  • تقديم النموذج بشكل واضح وبسيط فعلي سبيل المثال يقدم المعلم المثير اللفظي "افعل هذا" بينما يقوم المعلم بعمل نموذج المهارة الحركية أمام الطفل.
ويتضمن التدريب علي التقليد الحركي التقليد علي الحركات الدقيقة، والحركات الكبيرة وحركات الوجه والفم واللسان وتقليد الأفعال لاستخدام الاشياء. وأكدت دراسة Hooshang, et al (2017) أن كل من قدرة التقليد والوظيفة الحركية لها ارتباط مع بعضها البعض ومهارات التواصل الاجتماعي المبكرة.

2 - التقليد اللفظي

يعرف ساندبريج 1998,Sundberg التقليد اللفظي بأنه سلوك لفظي يشمل علي الاستجابة المبنية علي المثير اللفظي التمييزي لذا يتطلب من الفرد تقليد أو اعادة ما يقوله الفرد الآخر كما أن تعليم الطفل تقليد ما يقوله شخص أخر سوف يساعده في تحسين اللغة والطفل الذي يستطيع الترديد لديه فرصة أكبر في الاستجابة الي التلقين اللفظي، وهذا يؤثر علي تعليمه مهارات السلوك اللفظي الأخرى.

وتعد مهارة الاستماع بأنها من المهارات الضرورية للتواصل التي تعكس استجابة الطفل للمثيرات الصوتية من حوله، إذ أن الصعوبة التي يعاني منها أطفال التوحد في تنفيذ الأوامر قد ترجع الي ما يعانونه من مشكلاتي في الاستماع إلي الأخرين.

وأكدت عدة دراسات أن التقليد اللفظي يسهل تعلم الكلمات في مراحله المبكرة من خلال دعم ترميز شكل الكلمة في الذاكرة .

أهمية التقليد

يشير ملتزوف ومور (1977) أن التقليد يخدم وظيفتين متميزتين : 
  1. وظيفة تعليمية يكتسب من خلالها الرضع مهارات ومعارف جديدة، 
  2. ووظيفة إجتماعية يشترك فيها الرضع في التبادل الاجتماعي والعاطفي مع الآخرين.

كما أشار موريسون وكوهن (1983). إلي أن التقليد يعمل على زيادة وتحسين التفاعلات بين الأقران خلال الطفولة المبكرة ، ويظل عاملا قويًا في الاهتمام الاجتماعي طوال فترة الطفولة.

ويصبح التقليد جزءًا متكرراً بشكل متزايد من التفاعلات الاجتماعية خلال السنة الأولى من الحياة، كما أشارت دراسات (2007) Game et al ؛ (2015) Zmyj et al حيث يقوم الأطفال بنسخ أصوات وإيماءات وأفعال أكثر تقليدية ، ويحدث انفجار نسبي في الحلقات المقلدة خلال السنة الثانية من الحياة ، بالتوازي مع المهارات اللغوية والقدرات الاجتماعية المزدهرة للأطفال الصغار

النظريات المفسرة للتقليد.

وجهات النظر النفسية

تضمنت إحدى التجارب الأكثر شهرة في تاريخ علم النفس دمية اسمها بوبو . أظهر باندورا أن الأطفال يتعلمون ويقلدون السلوكيات التي لاحظوها في الأشخاص الآخرين. لاحظ الأطفال في دراسات باندورا أن شخصًا بالغًا يتصرف بعنف تجاه دمية بوبو عندما سمح للأطفال في وقت لاحق باللعب في غرفة مع دمية بوبو ، بدأوا في تقليد الإجراءات العدوانية التي لاحظوها من قبل. 

المتعلمون بالتقليد قادرون على حل المشاكل بالشكل الصحيح حتى بعد أن يكون النموذج أو القدوة فاشلا في حل نفس المشاكل ، فالملاحظ يتعلم من أخطاء القدوة مثلما يتعلم من نجاحاته وإيجابياته . والتعلم من خلال التقليد يمكن أن يشتمل على سلوكيات إبداعية وتجديدية . والملاحظين يستنتجون سمات متشابهة من استجابات مختلفة ويصفون قوانين من السلوك تسمح لهم بتجاوز ما قد رأوه أو سمعوه ، ومن خلال هذا النوع من التنظيم نجدهم قادرين على تطوير أنماط جديدة من التصرف يمكن أن تكون مختلفة عن تلك التي لاحظوها بالفعل.

كما أن التعلم بالملاحظة يتم من خلال عدة عمليات هي: : 
عملية الانتباه وهي عملية تمثيل رمزي داخلي يستدخل المعلومات الخاصة بالنموذج بشفرة معينة داخل الذاكرة و يسترجعها في وقت لاحق لمطابقة السلوك عليه. 
عملية الاستخراج الحركي (ترجمة ما في الذاكرة إلي سلوك) وذلك من خلال ترجمة ما في الذاكرة من معلومات إلى سلوك مناسب وقد يكون هذا السلوك في البداية غير دقيق ولكن مع التدريب والتغذية الراجعة للنموذج يزيد دقته عمليات الدافعية حيث تتأثر مدي رغبة الفرد في تركيز انتباهه والاحتفاظ بالذاكرة بما يلاحظه بمدي توقعه للتدعيم الايجابى أو العقاب.

وجهات النظر العصبية

أشار (2009) Marco lacoboni تتكون الدوائر العصبية الأساسية للتقليد من منطقة بصرية عالية الترتيب (الجزء الخلفي من الصدغي العلوي) وعن طريق نظام الخلايا العصبية المرآة الأمامية.

ولقد أشار كوفيلد 2010 Coffield أن العصب العاكس هي مجموعة من الخلايا العصبية الحس حركية وجدت في الأصل في المنطقة F5 للقشرة المخية الحركية الأمامية للقرد، وهي التي تمكنه من الأداء عندما يقوم بعمل سلوك معين عندما يلاحظ شخص آخر حيوانات أو إنسان يقوم بعمل مماثل. وقد أشارت التجارب أنه عندما يقوم شخص بسلوك وهناك شخص آخر ملاحظ لهذا السلوك تصبح القشرة المخية الحركية نشطة. وفي الواقع هناك أدلة على أن الدوائر العصبية التي تنشط خلال التقليد هي ذاتها الذي يتم تفعيلها خلال ملاحظة السلوكيات.


Mohammed
Mohammed