كتاب المنهج المدرسي المعاصر

المنهج المدرسي المعاصر



تأليف : جودت احمد سعادة - عبد الله ابراهيم
نشر : دار الفكر



نبذة عن الكتاب

زاد الاهتمام بالمنهج المدرسي كثيراً خلال العقود العديدة الماضية، وذلك بعد التطورات العلمية والتكنولوجية من جهة، وبعد إجراء الدراسات والبحوث العديدة في ميدان التربية وعلم النفس من جهة أخرى، ولم تحدث هذه التطورات في مجال المنهج المدرسي فجأة، أو خلال فترة زمنية قصيرة، بل أخذت وقتاً طويلاً وكافياً نسبياً، تم خلاله إدخال التحسينات، وطرح مقترحات التطوير والتحسين والتعديل، ثم التعرض للتعريفات المتعددة لمفهوم المنهج المدرسي من جانب المتخصصين في هذا المجال. 

ولكي نعطي الموضوع حقه من الشرح والتوضيح، فسوف يتم الحديث أولاً عن التطور التاريخي لمفهوم المنهج المدرسي، ولا سيما منذ بداية القرن العشرين، ثم نتعرض للإتجاه التقليدي لتعريف مفهوم المنهج على أنه مجموعة المواد الدراسية، وعلى أنه محتوى المقرر الدراسي، ثم ننتقل إلى الاتجاه الحديث في تعريف مفهوم المنهج على أنه الخبرات التعلمية وأنماط التفكير، والغايات النهائية، وخطة العمل المكتوبة، ونظام الانتاج، ثم ننتهي بعرض تعريف مقترح من مؤلفي الكتاب يلتزمان به في جميع الفصول المتبقية منه، وبطرح مصطلحات حديثة لها علاقة بالمنهج، وبتعقيب من جانبهما على تعريفات المنهج المختلفة. ويمكن توضيح ذلك على النحو الآتي :

التطور التاريخي لمفهوم المنهج
يرجع مصطلح المنهج Curriculum في الأصل إلى الكلمة اللاتينية Currere وتعني ما يجري في مهرجانات أو دورات السباق Race التي كانت تقام من وقت لآخر. ومع مرور الزمن، تحول متطلب السباق أو الجري هذا إلى مقرر دراسي تدريبي، فتم إطلاق كلمة المنهج على مقررات الدراسة أو التدريب. ثم استمر الأمر بعد ذلك لتعني الكلمة محتوى المواد الدراسية أو الخطط الخاصة بها. وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ظهرت وجهات نظر تقليدية، نادت إحداها بضرورة أن يتكون ذلك المنهج من الموضوعات أو المواد ذات صفة الدوام مثل قواعد اللغة أو النحو والقراءة وعلم المعاني والبيان أي) البلاغة والرياضيات والمنطق. وكان ذلك بالنسبة للمدارس الابتدائية والاعدادية أولاً، على أن تتم معالجة الموضوعات المتعمقة وتقديمها في المرحلة المدرسية الثانوية .

وقد طالب مربون اخرون بضرورة أن يتكون المنهج المدرسي بصفة أساسية من الدراسة المنظمة في خمسة ميادين دراسية كبرى هي اللغة القومية من حيث القواعد والأدب والكتابة، ثم الرياضيات فالعلوم فالتاريخ وأخيراً اللغات الاجنبية. كما رأى فريق آخر ضرورة أن يتألف المنهج المدرسي في مجمله من المعرفة التي تقدمها الدراسات المنظمة، التي تستخدم المنهج العلمي في مجالها، وذلك على اعتبار أن التربية لا بد أن تعمل على إكساب طلابها المعرفة بصورة منتظمة.
تابع في الصفحة الثانية
ويتضح للمدقق في وجهات النظر السابقة، أن المنهج المدرسي وفقاً لهذا الفهم يقتصر على المعرفة التي يمكن نقلها للتلميذ في صورة مواد دراسية تدور حول اللغة القومية والرياضيات والعلوم واللغات الأجنبية، وذلك على اعتبار أنها ضرورية للمتعلمين. ومهما كان المبرر في اقتصاد المنهج المدرسي على مجال المعرفة فقط، فإن هذا لا يمنعنا من الحكم على ذلك الفهم للمنهج بقصر النظر أو تضييق النطاق لمجال المنهج المدرسي، ولكن العذر في ذلك أنها كانت تمثل البدايات على الطريق في معالجة المنهج المدرسي أو فهمه.

وقد أدت النظرة إلى المنهج المدرسي على أنه محتوى ثابت من المعرفة، إلى إيجاد صعوبة أمام ظاهرة الانفجار المعرفي التي اتضحت منذ بداية القرن العشرين، حيث ظهرت مجالات عديدة وجديدة من المعرفة، وتعددت التخصصات المختلفة في مجالات العلوم والفنون والآداب هذا بالاضافة إلى اتباع طرق جديدة لكيفية استخدام المعلومات أو المعارف ومعالجتها، مما جعل تحديد طبيعة وأهمية أي نوع من أنواع المعرفة من العمليات بالغة الصعوبة. ذلك، ومع فقد استمر المخططون في ميدان المنهج المدرسي ينظرون إليه على أنه بناء أساسي من المعرفة مما جعل البرنامج المدرسي اقل ارتباطاً بحاجات الطلاب واهتماماتهم وميولهم وقدراتهم. 

وفي النصف الأول من القرن العشرين بدا مفهوم المنهج المدرسي يمتد في معناه عن ذي قبل ليناسب النمو والتطور الذي حصل في مفهوم الخبرات التعلمية. فقد تم النظر إلى مفهوم المنهج المدرسي على أنه يمثل جميع الخبرات التي يكتسبها التلاميذ بتوجيه من معلمهم حيث ركز كل من كاسويل Caswell وكامبل Campbell على هذه النظرة للمنهج، مما أعطى أهمية كبيرة لوظيفة التنشئة الاجتماعية للعملية التعليمية التعلمية.

وحاول بعض المربين الآخرين مسايرة كل من كاسويل وكامبل في نظرتهما إلى المنهج المدرسي، حيث رأوا أن المنهج يمثل سلسلة من الخبرات الكامنة التي يتم تقديمها داخل المدرسة بهدف تنظيم تفكير الأطفال والشباب وسلوكهم بشكل جماعي أو أنه عبارة عن جميع الخبرات التي يكتسبها المتعلمون تحت إشراف المدرسة أو بتوجيه منها .

وإذا تأملنا وجهات النظر السابقة في تطور مفهوم المنهج المدرسي، لوجدنا أنها تهتم بالمحصلة النهائية التي تعود على المتعلمين نتيجة مرورهم بالمواقف التعلمية التي يتضمنها المنهج المدرسي. وبعبارة أخرى فإن وجهات النظر هذه قد ركزت على ما يكتسبه المتعلمون من الخبرات التعلمية التي يمرون بها تحت إشراف المدرسة ورعايتها. كما نظرت إلى المنهج المدرسي على أنه الخبرات التعلمية التي يمر بها المتعلمون، مما جعل هذا الفهم الجديد للمنهج اوسع في معناه من وجهات النظر أو الآراء السابقة التي نظرت إلى المنهج المدرسي على أنه مجموعة من المواد الدراسية، فالخبرة هي محصلة تفاعل المتعلم مع المواقف التعلمية التي تتم داخل المدرسة أو خارجها وتحت إشراف المدرسة ذاتها. 

ومن ثم كان التعبير بالخبرة الكامنة في الآراء الأخيرة حول المنهج، يعني أنه يتم اكتسابها من المواقف التعلمية التي تنقل تلك الخبرة من حالة الجمود أو الركود إلى حالة الفعل أو النشاط، أو إن شئت القول بالمعنى الفلسفي، إنها تنقل الخبرة من حالة الوجود بالقوة إلى حالة الوجود بالفعل في سلوك المتعلمين.

وبذلك تكون وجهات النظر الأخيرة قد ساهمت إلى حد كبير في تحرير المنهج المدرسي من قيوده الأكاديمية، حيث كان يدور في نطاق المعرفة فقط، وانتقلت به إلى جميع أنواع الأنشطة التي تخدم عملية التعلم تحت إشراف المدرسة صاحبة العلاقة الأولى في هذا الشأن. أما في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين فقد تبين بوضوح أن للمدرسة مسؤولية كبيرة في التأثير على حياة المتعلمين هذا مع الاعتراف بالخبرات التي يكتسبها الطلاب، والتي تتحقق بعد قيام المدرسة بعملية التخطيط المسبق، أو قد يتم اكتسابها خارج المدرسة بقصد أو عن غير قصد، ولكن بتخطيط من المدرسة ذاتها .

في تلك الفترة، ظهرت الآراء التي تعالج المنهج المدرسي على انه الخبرات المخططة من جانب المدرسة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، رأى تايلر Tyler المنهج المدرسي عام 1956 على أنه جميع الخبرات التعلمية التي يكتسبها التلاميذ والتي يتم تخطيطها والإشراف على تنفيذها من جانب المدرسة، لتحقيق أهدافها التربوية كما نظرت هيلدا تابا Hilda Taba إلى المنهج فيما بعد على أنه "خطة للتعلم.
إن مثل هذه الآراء تؤكد على الأهداف التربوية والخبرات التعلمية التي تم التخطيط لها مسبقاً متضمنة المواقف التعلمية خارج حجرة الدراسة، وأنواع الأنشطة التي تم توجيهها عن طريق المدرسة، والتي قد تقع داخل المدرسة أو خارجها .

رابط الكتاب

للحصول على نسخة 👈 اضغط هنا
Mohammed
Mohammed