هل ستختفي الوظائف

هل ستختفي الوظائف





ما الذي سيحدث لو بدأت الآلات والنُّظْم الذكية تُنجز جميع الأعمال والمهام التي يتولّاها بنو البشر؟ هل سنجد أنفسنا بلا وظائف ولا مسؤوليات، وبلا إنجازات؟ هل سنؤول إلى مصير الخيول التي كانت تجر العربات في القرن التاسع عشر بعد ظهور المحرك البخاري؟ 

من خلال رؤية استشرافية لمستقبل العمل والوظائف بعد هيمنة الآلات والتكنولوجيا الذكية على حياتنا. من المفيد أن نأخذ الخوف من البطالة التي سيفرضها علينا تطور التكنولوجيا على محمل الجد، وأن نضع في اعتبارنا أنّ التحوُّلات لن تحدث دفعةً واحدةً وعلى حين غرّة، بل سيتراجع دورنا تدريجياً بتضاؤل عدد المهمّات وطبيعة الأعمال التي نؤدّيها لندرك فجأةً أننا لم نعد نجد من الوظائف ما يشغل ويكفي الجميع، وقد لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فهناك مخاوف تُثار من تفوّق الذكاء الاصطناعي وسيطرته، ما قد يسمح لعمالقة التكنولوجيا بالتدخل في رسم السياسات العامة والتحكّم في حياة الأفراد ومستقبل المؤسسات ومصائر الأمم، مع ما يترتب على ذلك من مشكلات انعدام المساواة وحرمان بعض الناس من مقومات الحياة السويّة في عالم بلا وظائف.

الآلة تصنع وظائف جديدة
تعود جذور الخوف من تراجع عدد الوظائف حول العالم بسبب الاعتماد على الآلات إلى الثورة الصناعية حينما قضت الآلات على الصناعات اليدوية مثل الشمع والغزل، وفقد أصحاب الحرف اليدوية وظائفهم ولكن كان المتفائلون يرون أن مثل هذه المخاوف لا مبرر لها، فقد رأى هؤلاء أن مستقبل العمل لا يتوقف على عدد الوظائف فقط لأننا تغفل بذلك دور الابتكار في رفع مستوى الإنتاجية الذي يؤدّي بدوره إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات، إضافة إلى تطور طبيعة العمل ورفع الأجور وتغير مفهوم الأمان الوظيفي والصناعات الرئيسة والمغذية والتحويلية والمهام الجديدة وغير ذلك من الأعمال التي لم تكن في الحسبان، ومن المؤكّد أنّ عدد الوظائف لا يمثل قيمتها الكلية ولا يمثل العامل الوحيد للتنبؤ بمستقبل العمل.

وتظهر مزايا التوسع في استخدام التكنولوجيا من خلال :
  • ارتفاع مستوى الإنتاجية نتيجة الاعتماد على سرعة الآلات ومواصلة التشغيل وكثافة الإنتاج.
  • تحفيز النمو الاقتصادي نتيجة سرعة النقل والتوريد وتنويع المنتجات، ثمّ ارتفاع مستوى المعيشة وزيادة الطلب على السلع والخدمات.
  • ظهور صناعات جديدة تحلُّ محلّ الصناعات المنقرضة، ثمّ خلق فرص عمل جديدة.

التكنولوجيا وازدهار العمالة

حدث ازدهار الطلب على العمالة في الفترة التي ساعدت فيها التكنولوجيا الموظفين من دون أن تلحق بهم ضرراً، لكنّ دوام الحال من المحال، فكما أنّ التكنولوجيا قد تحيّزت لبعض الأفراد والمجتمعات على حساب آخرين وبشكل متغيّر ومتقلّب، فقد أضرّت بفئات أخرى، لا سيما في الدول التي تخطّتها الثورة الصناعيّة، ففي الثورة الصناعية الأولى كان التحيز لأولئك الحاصلين على قدر أقل من التعليم الرسمي ومع تطوّر نظم الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات مال التحيّز إلى صالح الحاصلين على درجات علميّة أعلى.

وفي مرحلة ما استفاد كلا الفريقين من ارتفاع الأجور نتيجة استخدام التكنولوجيا، لكن سرعان ما تغيرت الأمور بظهور ما عرف بـ «الاستقطاب»، حيث هيمنت التكنولوجيا على الوظائف التي لا تتطلب سوى تعليم ومهارات متوسّطة، مثل أعمال السكرتاريا والوظائف الكتابية والمبيعات، ولم تتمكّن الآلات من أداء المهمات الصعبة والمعقدة ولا المهمّات البسيطة التي تحتاج إلى مهارات فنيّة ومواهب فطريّة، وهكذا كان الاعتماد على تطور التكنولوجيا في الوظائف يخدم المتعلّمين وأصحاب المهارات أحياناً، ويخدم أصحاب الحظ الأدنى من التعليم والمهارات أحياناً أخرى، ولم يخدم ذوي التعليم والمهارات المتوسطة.

توصل فريق من الاقتصاديين في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT» إلى فرضيّة أطلقوا عليها «ALM» ويمكن تعريبها اختصاراً إلى «تسع»، أي «تحليل سوق العمل» تقول الفرضيّة إن تحليل العمل ينبغي ألا يقوم على أساس الوظائف، بل على أساس المهام، وتنقسم هذه المهام إلى أعمال روتينية ذات خطوات ثابتة يمكن شرحها بسهولة، وهي مهام مباشرة يمكن للآلات محاكاتها وأخرى متغيّرة ذات طبيعة حدسيّة وتلقائيّة تتطلّب إمَّا مستوى فائقاً من الإدراك والمهارات لأداء مهام شديدة التعقيد تحتاج إلى الابتكار، وإما مجرّد حدس بسيط لأداء مهام لا تتطلّب سوى مهارات بسيطة وأحياناً مهارات بدائية، وتستطيع الآلات أن تؤدّي المهام ذات المهارات المتوسّطة لأنّها روتينيّة لا تحتاج إلى حدس أو ابتكار، بينما تعجز عن أداء المهام المتغيّرة، ولهذا كان ذوو المهارات المتوسطة هم الأكثر تضرراً بسبب التقدم التكنولوجي.

ويرى آخرون أنه طالما وُجدت المهام غير الروتينية، فلن تستحوذ الآلات على جميع الوظائف، وسيظل سوق العمل مزدهراً، غير أن تطوّر الذكاء الاصطناعي يدفع بعض المعنيين للاعتقاد بغير ذلك.

الثورة البراجماتية

بدأ الاهتمام بالذكاء الاصطناعي في ستينيات القرن العشرين، وكان التعرف إلى الصورة والصوت، وأداء ألعاب الطاولة والشطرنج وترجمة النصوص مـن أبـرز المهام حينها واستمرّت الموجة الأولى من الاهتمام بالذكاء الاصطناعي تقريباً لثلاثة عقود، غير أنه بنهاية عام 1980 انتهت الموجة الأولى بانتهاء التمويل ومن دون إحراز أي نتائج وقد كان روّاد الذكاء الاصطناعي وقتها يطمحون إلى تصميم آلة تشبه عقل الإنسان يمكنها التفكير بشكل مستقل، ولكن باءت كلّ المحاولات حينذاك بالفشل.

وسرعان ما بدأت الموجة الثانية، لكن هذه المرة اتبع الباحثون أسلوباً عملياً جديداً بعد ثورة البراجماتية، فبدلاً من محاكاة تفكير الإنسان اعتمدت الآلات الجديدة على قوّة المعالجة المذهلة والقدرة الهائلة على تخزين البيانات.

يرجع تاريخ أوّل نجاح أو تجربة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى عام 1997 والذي تجسّد في جهاز Deep Blue وهو جهاز طوّرته مؤسسة «IBM» والذي نجح في هزيمة بطل العالم في الشطرنج جاري كاسباروف.




ثُمّ ظهر نظام آلي يُصنِّف الصور عن طريق مراجعة ملايين الصور والبحث عن أوجه الشبه بينها وبين صورة محدّدة، وفي عام 2015، في مسابقة ImageNet السنوية، استطاع علماء الحاسب الآلي تطوير نظام للتعرّف إلى الصور بدقة تصل إلى 96%، وقد تفوّق على البشر في التعرّف إلى الأشياء داخل الصورة، وفي عام 2016، تمكن نظام «AlphaGo» من هزيمة بطل العالم في لعبة «Go» الصينية، بل إنّ ما يثير الدهشة أكثر هو نجاح الباحثين في تطوير نظام Alpha Zero - وهو النظام الذي تفوّق على «AlphaGo» في غضون عام واحد، وخلال عقدين أنتجت مؤسسات عملاقة، مثل «جوجل» و«مايكروسوفت» و «أبل» و «أمازون» أجهزتها المزوّدة بالذكاء الاصطناعي والتي يمكنها معاونة البشر في حياتهم اليومية.

رغم كل هذه الإنجازات فلا يمكننا القول إن هذه الآلات «ذكيّة» لأنّها ببساطة لا تعمل مثل العقل البشري، ولا تشعر ولا تفكّر ولا تُحلّل ولا تستشعر أيّ نوع من الوعي، إذ إن مصطلح «الذكاء الاصطناعي» ليس التعبير الأنسب هنا، ربّما من الأفضل أن نطلق عليه «العقل الحاسوبي»، وهو تعبير ملائم أكثر لطبيعة المهام التي تؤدّيها آلات بدأت بسيطة ثمّ تطوّرت وزادت تعقيداً عبر مراحل من التطور التدريجي.

الاستهانة بالآلة

رغم الإنجازات الهائلة التي حققها استخدام الذكاء الاصطناعي، فإن بعض المتشائمين ينكرونها ويجدونها محبطة، فبعيداً عن محاكاة العقل البشري، يعتمد عمل الآلة على قوّة المعالجة والمعادلات الحاسوبية الخوارزمية التي تُستخدم في حلّ المشكلات، وفي الواقع يمكننا تفهّم شعور الإحباط لدى بعض المراقبين إلا أن استهانتهم بالذكاء الاصطناعي ليست في محلّها.

ويرى معارضو الذكاء الاصطناعي أنّ الآلة الحقيقيّة لا بدّ أن تكون مزوّدة بالذكاء الاصطناعي العام، حيث ركّزت منتجات الثورة البراجماتية على مجال محدود (مثل التعرّف إلى الصوت أو ترجمة النصوص)، بينما تتميّز الآلة المزوّدة بالذكاء الاصطناعي العام أو الشامل بأداء جيد في جميع المجالات، ولذلك فإن تطوير الذكاء الاصطناعي العام يشكّل نقطة تحوّل في تاريخ البشريّة، في الوقت الذي حذر فيه بعض علماء الاجتماع والاقتصاد من تهديدات عمالقة التكنولوجيا، وممّن أطلقوا تلك التحذيرات «ستيفن هوكنج» و «إلون ماسك» و«بيل جيتس» من تطوير الذكاء الاصطناعي العام.

وبالنظر إلى الثورة البراجماتية وتأثيرها في الاقتصاد وسوق العمل، نلاحظ أنّ الفرضية السابقة أصبحت معيبة ولا تنطبق على سوق العمل الحالي، وذلك لأننا أصبحنا نرى توسعاً في استخدام الآلات في مهمات غير روتينية، مثل قيادة السيّارات وتلقي طلبات العملاء في المطاعم.

يعتمد التمييز بين المهام الروتينيّة والمهام المتغيّرة على استطاعتنا شرح المهمّة، وهو الشرح الذي كانت تتم برمجة الآلات في الماضي على أساسه، غير أنّ هذا الأسلوب تطوّر كثيراً، فلم تعد الآلات تتبع نفس أسلوب التفكير البشري لإنجاز المهام إذ تعتمد الآلات الذكيّة اليوم على البيانات وقدرتها الهائلة على معالجتها ويحدث هذا بصورة مختلفة كلياً عن الذكاء البشري وبذلك أصبحت فكرة محاكاة الآلات لعملية التفكير البشري لإتمام المهام فكرة غير صائبة.

لم تتفوّق الآلة على الإنسان تماماً حتّى الآن، ولكن تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطور مستمر، وهناك نماذج وأشكال أخرى للآلات أكثر تطوراً قادمة لا محالة.

استحواذ الآلات على المهام

تواصل الآلات استحواذها على المزيد من المهام التي كان أداؤها حكراً على البشر، وتنقسم القدرات المتفرّدة الرئيسة التي يستعين بها البشر في عملهم إلى قدرات يدوية ومعرفيّة واجتماعيّة، ولكن لا يزال تطور الآلات يهدّد هذا التفرد أيضاً.

كانت أوّل القطاعات التي تأثرت بهيمنة الآلات هي القطاعات التي تحتاج إلى القدرات البدنية والحركية في عملها، مثل الزراعة والصناعة ففي العالم اليوم مزارع ومصانع تكاد تخلو من الموظفين، فضلاً عن السيارات ذاتية القيادة وأنظمة الشحن الآلي وماكينات البناء والطباعة ثلاثية الأبعاد التي تُستخدم في الهندسة المعمارية.

تابع القراءة في الصفحة الثانية

لا يقف الأمر عند القدرات الحركية فقط، فحتّى الوظائف التي تتطلّب قدرات معرفية بشريّة لم تأمن استحواذ الآلات، فالنظم الذكيّة في مجال القانون مثلاً تقوم بالأعمال المكتبية، فضلاً عن الاعتماد على الآلات في مجالات عديدة كالتعليم والاقتصاد والطب وغيره، فهناك عدد هائل من منصات التعلُّم عن بعد ومنصّات التجارة الإلكترونية والتشخيص الآلي للعديد من الأمراض، إلا أنّ استحواذ الآلات على العمل في مجال الإعلام والمجالات العسكرية تشوبه بعض المخاوف لأسباب أخلاقيّة تتعلّق بسوء الاستخدام، لهذا لا بد أن تظل الروبوتات التي تديرها نُظم عسكرية وتقنيات معالجة الصور والأفلام تحت رقابة السياسات الحكومية العامة وأنظار المجتمع.

آلات تتعامل مع المشاعر

لم تستبعد الآلات تلك المهام التي تتطلب مهارات اجتماعية، حيث ظهرت تقنيات اجتماعية مزوّدة ببرمجيات وأدوات ذكيّة للتعرّف إلى المشاعر البشرية والتعامل معها، ونجد أكثر هذه المنظمات نجاحاً في مجال الرعاية الصحيّة، حيث تساعد المرضى ذوي الاضطرابات العقليّة، مثل مرضى الزهايمر وغير ذلك من مشكلات كبار السن.



وعلى الرغم من استمرار تقدم الآلات، فإنّ استجابتنا المختلفة واستخدامنا لها مختلف أيضاً، وذلك لأسباب عدة، منها صعوبة أتمتة الأعمال التي يقوم عليها الاقتصاد في بعض الدول، أما الدول الأكثر فقراً حيث تشيع الأعمال الروتينية فالمخاطرة فيها باستبدال الآلات بالعمّال يُعدُّ مجازفة كبيرة، وتأتي تكلفة العمالة سببًا إضافيًا للمخاطرة، ففي الدول التي تكون فيها تكلفة العمالة زهيدة، لا يُعقل من الناحية الاقتصادية أن تُستبدل بالعمالة منخفضة التكلفة آلات وبرمجيات باهظة الثمن، والعكس صحيح أيضاً؛ إذ يمكن أن تهمل الدول التحوّل إلى التكنولوجيا نظراً إلى انخفاض تكلفة العمالة البشرية.

كما يتباين تقبل الحكومات لتقنيات الذكاء الاصطناعي ومن هنا تتباين الضوابط المتصلة بهذا المجال في كل دولة، فسياسات الدول المتنافسة في الذكاء الاصطناعي كالصين وروسيا والولايات المتحدة تبدو متراخية فيما يتصل بجمع البيانات، وتخصص تلك الدول تمويلاً ضخماً لدراسات الذكاء الاصطناعي.

لكنّ كلّ هذه العوامل لن تؤثر كثيراً في التوجه العام نحو استبدال العمالة البشرية بالآلات، حتّى في المهام التي اعتقدنا طويلاً أن الآلات لن تستطيع إنجازها مهما تطوّر ذكاؤها.

البطالة الانتقالية

على الأرجح، ستستمر التكنولوجيا في الانتشار وسيستمر استبدال الآلات بالعمالة البشرية، وهذا سيزيد بدوره من الإنتاجية والعرض والطلب وارتفاع مستويات المعيشة، ثمّ ظهور فرص عمل جديدة تعوّض ما استحوذت عليه الآلات، ولكن المفارقة هذه المرّة تتعلق بالمهارات فيما نسميه «البطالة الانتقالية»، وهي البطالة الناتجة عن عدم تناسب المهارة أو الهويّة أو الموقع مع الوظائف المتاحة. هذه المشكلات الثلاث هي السبب وراء كون الوظائف الجديدة بعيدة المنال عن الكثير من العاملين والموظفين.




وينتج عدم تناسب المهارة عن ظاهرة الاستقطاب التي تجبر العاملين على البحث إما عن وظائف مربحة ذات مهارات أعلى، وإما عن وظائف منخفضة الراتب لا تتطلّب مهارات خاصة ومميّزة، وفي كثير من الأحيان نجد أنّ القدرة على القراءة والكتابة والحساب لم تعد كافية، وتصبح الدراسات العليا ضرورة للحصول على وظيفة، ولكن مع ارتفاع تكلفة التعليم، ازدادت فجوة المهارات.

كما نجد بعض العمّال يخرجون طواعية من سوق العمل حفاظاً على هويّة محدّدة وثابتة في أذهانهم حول مكانتهم الاجتماعيّة، فنجد بعض الذكور يرفضون العمل في وظائف ارتبطت سابقاً بالمرأة، مثل التمريض أو التدريس أو رعاية الأطفال أو التجميل، وذلك بسبب عدم تناسب الهوية.

أمّا عدم تناسب الموقع فيعني وجود الموظف في منطقة جغرافيّة بعيدة عن أماكن توافر فرص عمل مناسبة له، مع صعوبة تفكير بعض العاطلين في الانتقال للعيش في مكان آخر للحصول على عمل وهي من أهم مشكلات البطالة الانتقالية حيث تتوافر وظائف جديدة لكن الثقافة ومستوى التعليم يؤثران بقوّة في قرار الموظف للانتقال إلى مكان آخر من أجل الوظيفة.

ولكن عندما تستفحل هذه المشكلات في سوق العمل، يقبل الموظفون بأيّة وظائف متاحة، وينتج عن هذا منافسة شرسة على الوظائف فتظهر آثار سلبية أخرى، مثل: انخفاض الأجور وتدنّي جودة بيئة وظروف العمل وازدياد الفجوة بين الفقراء والأغنياء.

وبذلك فإنّ ظاهرة البطالة الانتقالية الناتجة عن التكنولوجيا لا تعني انخفاض فرص العمل مستقبلاً، ذلك لأنّ التكنولوجيا ستستمر في خلق وظائف جديدة للعمالة البشريّة، إلا أنّ هذه الفرص ستبقى بعيدة المنال عمّن لا تناسبها مهاراتهم وهوياتهم ومواقعهم. وفي هذه الحالة قد لا يحظى بعض الموظفين إلا بأدنى الوظائف في سوق العمل، وقد يرى بعضهم أنّها أفضل من عدم الحصول على عمل مطلقاً.

البطالة الهيكلية

تعرّف البطالة الهيكليّة أو البنيوية بأنها توافر فرص عمل أقل من عدد الموظفين المحتاجين إلى عمل بسبب التقدم التكنولوجي والاعتماد على الآلات ومن خلالها نعرف مدى زيادة الإنتاجية نتيجة استخدام التكنولوجيا وظهور فرص عمل جديدة تبعاً لذلك، غير أنّ الأمر يختلف على أرض الواقع، فنجد مثلاً أن تحسّن أنظمة تحديد المواقع (GPS) أدى إلى زيادة إنتاجية سائقي سيارات الأجرة، ولكن مع وجود السيّارات ذاتية القيادة في السوق، لن يكون هناك حاجة إلى هؤلاء السائقين مستقبلاً.

رأينا فيما مضى كيف أنّ النمو الاقتصادي يزيد من الطلب على السلع والخدمات وهو ما يعني زيادة الطلب على العمالة البشرية، لكن في المستقبل سيعني هذا المزيد من الطلب على الآلات التي تتميز بأداء أفضل، وينطبق نفس السيناريو على الصناعات الناشئة في المنظومة الاقتصادية المتغيّرة، فمن المتوقع أن تستعين الصناعات الناشئة بالآلات بدلاً من البشر، وسوف تصنع هذه الآلات فرص عمل جديدة لآلات أخرى وليس للبشر، أي إنَّ الآلة ستوظف المزيد من الآلات، وهذه مفارقة مخيفة وطريفة.

ولكن ستبقى هناك مهمّات يتفوّق فيها الإنسان على الآلات ولكن المشكلة ليست هل سيوجد هذا النوع من المهام مستقبلاً أم لا، فمقدار العمل متغيّر والوظائف ستكون موجودة، ولكن هل ستكون الفرص كافية لكل الباحثين عنها ؟

تأثير التكنولوجيا في نظرتنا إلى العدالة

تمثل عدالة التوزيع مشكلة أزليّة منذ قرّر أسلافنا توزيع مواردهم بشكل غير متكافئ، واليوم بينما يُحدق خطر الانهيار بسوق العمل، سيواجه الكثيرون خطر عدم الحصول على أي موارد لصعوبة توفير أي دخل.

في المجتمع الحديث نجد نوعين من رأس المال : 
  1. أي شيء يمكن الاتجار به، وهو رأس المال التقليدي، ومع التقدّم التكنولوجي، سيحصل من يملكون أشكالاً جديدة من رأس المال التقليدي حتماً على المزيد. 
  2. رأس المال البشري أي الاستثمار في المهارات والتعليم الذي ستتراجع قيمته مع استحواذ الآلاتىعلى وظائفنا وأعمالنا.

كما تشير بيانات فئات الدخل إلى وجود ارتفاع كبير في دخل الفئة الأكثر ثراء، والذين يشكّلون 1% من المجتمع. وبما أنّ ثلاثة أرباع دخل أغلب الاقتصادات يأتي من الأجور والرواتب، فمن المنطقي أن تمثّل فجوة الأجور سبباً في انعدام العدالة، وسيتسبب التقدم التكنولوجي في ارتفاع أجور العمالة ذات المهارات الفائقة بشكل كبير، مقارنةً بأقرانهم من العمالة متدنية المهارات.

ينتج غياب المساواة أيضاً من قيم مختلفة تُعزى إلى العمل ورأس المال، فالجميع يملكون رأس مال بشـرياً. لكن التقدم التكنولوجي يقوّض قيمته تدريجياً، وفي نفس الوقت تمتلك نسبة ضئيلة من المجتمع رأس المال التقليدي الذي يمثّل قيمة فعليّة، كما أن عدم المساواة بين رؤوس الأموال والدخل تتباين بقوّة بما لا يتناسب مع قيمة العمل، وبذلك تزداد الفجوة بين رأس المال التقليدي وبين رأس المال البشري ويزداد انعدم العدالة في التوزيع.

وما يسترعي الانتباه هو عدم ظهور هذه المشكلات في جميع الدول، وهو ما يشير إلى أن طريقة تعامل الدول مع التغيرات التي تطرأ على الاقتصاد بسبب التقدم التكنولوجي ربّما تحمل حلاً لمشكلة عدم المساواة فتحمل معها حلاً لمشكلة البطالة التكنولوجية أيضاً.

يمثل انعدام المساواة دليلاً واضحاً على أن البطالة التكنولوجيّة خطر وشيك، لكنه يؤكد أننا نستطيع تلافي هذه المشكلة، إن توافرت لنا الإمكانات اللازمة لتجنبها من خلال التعليم والتدريب والسياسات الرشيدة، ولكن المهم هو كيفية إدارة هذه المشكلة الآن.

عمالقة التكنولوجيا

مع دفع التقدم التكنولوجي للنمو الاقتصادي، تستحوذ المؤسسات التكنولوجيّة العملاقة في العالم على النصيب الأكبر من الموارد، ولذا يمكن أن تخضع هذه المؤسسات لإدارة الدولة في ظل التحوّل إلى عالم ستندر فيه فرص العمل.

ونلاحظ هنا سعي المؤسسات التكنولوجية الكبرى إلى الاستحواذ على المؤسسات التكنولوجية الناشئة للسيطرة على البيانات ما قد يُعدُّ احتكاراً، لهذا يعيش الاقتصاديون مشاعر متضاربة تجاه المؤسسات العملاقة، فالاحتكار يقضي على المنافسة، رغم أنه يعزّز الابتكار، ففي حين أنّ السلطات المعنية بالمنافسة ورسم السياسيات تحقق توازناً على هذا الجانب، فإنّنا بحاجة إلى مراقبة هذه المؤسسات المحتكرة للسوق.

تواجه المؤسسات العملاقة اليوم انتقادات بسبب تأثيرها الهائل في البنية المجتمعية، ومنها «أمازون» مثلاً، فهي تحظى بنفوذ سياسي قوي وعلى الرغم من اعتماد المؤسسات التقليديّة على قوّتها الاقتصاديّة للتأثير في واضعي السياسات وصانعي القرارات، فإنّ بعض المؤسسات العملاقة تحظى بنفوذ سياسي مباشر، وترك هذه المؤسسات من دون رقابة، يمس بالحرية والعدالة الاجتماعيّة، كما ستظهر برمجيات ومنتجات تقنية تشكّل سلوكياتنا وآراءنا وتتحكّم في المحتوى الذي نشاهده .. 

ومن هنا سنبقى بحاجة ماسة إلى هيئات رقابية جادّة؛ مثل هذه المؤسسات الرقابية التي يمكن أن نطلق عليها «هيئات الرقابة على النفوذ السيادي»، ستراقب كلّ أنواع النفوذ وليس النفوذ الاقتصادي فقط، وأول مهامها وضع نظام متوازن ومعايير تمنع المؤسسات الكبرى من إساءة استخدام نفوذها الاقتصادي للتأثير في النفوذ السيادي، ولهذا تحتاج المجتمعات إلى أدوات وضوابط لدعم هذا النظام، ومن ناحية أخرى يجب التأكد من أنّ هذه المؤسّسات تعمل بشفافية.

لن تحلّ الهيئات الرقابية محلّ الهيئات المعنيّة بالمنافسة، بل ستعمل معاً على حماية النفوذ السيادي والاقتصادي، وبالمثل يُفضّل ألا يتولّى الاقتصاديون قيادة هذه الهيئات على حساب الخبراء وواضعي السياسات العامة وعلماء الاجتماع.

انتهى
Mohammed
Mohammed