الصمود النفسي

الصمود النفسي






مفهوم الصمود النفسي

تعددت التعريفات التي تناولت مفهوم الصمود النفسي، وفيما يلي عرض لبعض التعريفات :

الصمود لغة

الصمود في اللغة مأخوذ من "صمَدُ، صمداً، وصمُوداً" أي ثبت واستمر. ومنه قول علي رضي الله عنه : "صمَداً صَمَداً حتى يتجلى لكم عمود الحق" أي ثباتاً ثباتاً .

وكلمة الصمود"Resilience" مشتقة من الفعل اللاتيني"Resile" بمعنى يقفز على، يتجاوز، أو يستعيد"to jump or bounce back"، أي الارتداد والرجوع مرة أخرى إلى ما كان عليه .

الصمود اصطلاحا

يعرف الصمود النفسي بأنه عملية ديناميكية تتمثل في التكيف الإيجابي مع المحن والشدائد، وهو مفهوم ثنائي البعد؛ أي أنه يعني القدرة على مواجية المحن من جانب، والتكيف الإيجابي معها والاستفادة منها من جانب آخر.

وهو زمرة من الظواهر السلوكية التي يمكن وصفها كمخرجات جيدة و ايجابية رغم التهديدات الخطيرة لتكيف الفرد وتطوره.

ويعرف الصمود النفسي بأنه ظاهرة تتمثل في مجموعة العوامل الوقائية والتأثيرات الإيجابية على جميع المستويات من نظم الأسرة والمجتمع والفرد، والتي تتفاعل مع المخاطر ومناطق الضعف لدى الفرد.

وهو تجسيد القدرات الشخصية التي تمكن الأفراد من النمو والازدهار في مواجهة المحن والشدائد

وهو قدرة الفرد على التعامل بكفاءة مع الضغوط والكروب، ومواجهة التحديات اليومية، والنهوض من العثرات التي تسببها خيبة الأمل والأخطاء والصدمات والمحن، وأن يضع الفرد لنفسه أهدافاً واقعية واضحة، وأن يحل المشكلات، وأن يتعامل بيسر مع الآخرين، وأن يعامل نفسه والآخر باحترام .

والصمود النفسي هو مكون متعدد الأبعاد الذي يتضمن العديد من العوامل والأبعاد الأساسية مثل: المزاج، والشخصية بالإضافة إلى المهارات النوعية الأخرى مثل الحل النشط للمشكلات، والتي تسمح للفرد بالمواجهة الفعالة لأحداث الحياة الصادمة.

المفاهيم المرتبطة بالصمود النفسي

أبرز المفاهيم والمصطلحات المرتبطة بمفهوم الصمود النفسي هي الصلابة النفسية، قوة الأنا، النمو ما بعد الصدمة، والمناعة النفسية، والصعود الأكاديمي ، وفيما يلي شرح لها :

1 - الصلابة النفسية Psychological Hardiness

 الصلابة النفسية هي اعتقاد عام لدى الفرد في فاعليته وقدرته على استخدام كل المصادر النفسية والبيئية المتاحة، كي يحرك ويغفر ويواجه بفاعلية أحداث الحياة الضاغطة.

ويعد مفهوم الصلابة النفسية أحد مرتكزات علم النفس الإيجابي الذي يحفز السلوك المقاوم للآثار السلبية الناتجة عن ضغوط الحياة، والتخفيف من آثارها؛ وتتكون الصلابة من عدة مكونات رئيسية هي: الالتزام، والتحكم، والتحدي وهذه المكونات يمكن توضيحها على النحو الآتي :
  • ‌أ- الالتزام Coinmitment : وهو نوع من التعاقد النفسي يلتزم به الفرد تجاه نفسه وأهدافه والآخرين من حوله
  • ‌ب- التحكم Control : ويشير إلى مدى اعتقاد الشخص أنه بإمكانه أن يكون له تحكم فيما يلقاه من أحداث، وتحمل المسئولية الشخصية عما يحدث له ويتضمن التحكم والقدرة على اتخاذ القرارات، والقدرة على تفسير الأحداث، والقدرة على المواجهة الفعالة للضغوط.
  • ‌ج- التحدي Challenge : وهو اعتقاد الفرد أن ما يط أر من تغيير على جوانب حياته أمر مثير وضروري أكثر من كونه تهديداً له، مما يساعده على المبادأة واستكشاف البيئة ومعرفة المصادر النفسية والاجتماعية التي تساعده على مواجهة الضغوط بفاعلية .

2 - قوة الأنا Ego strength

يُعد فرويد أول من تناول مفهوم الأنا ضمن مكونات الجهاز النفسي للشخصية، حيث اعتبر أن الأنا مركز الشعور والإدراك الحسي الداخلي والخارجي والعمليات العقلية والمشرف على الحركة والإدارة، والمتكفل بالدفاع عن الشخصية، وتوافقها وحل الصراع بين مطالب الهو والأنا الأعلى .

وقوة الأنا هي كفاية الأنا بالنسبة لما تؤديه من وظائف في الشخصية، متضمناً كذلك كفاية الوظائف الجسمية، وكفاية الوظائف العقلية، وكفاية الوظائف الانفعالية، وكفاية الوظائف الاجتماعية، وكفاية الوظائف الخلقية، وكفاية الاستجابة للمثيرات الداخلية الصادرة عن الهو أوالأنا العليا، وكفاية الاستجابة للمثيرات الخارجية الصادرة عن العالم الخارجي، والكفايات الشخصية، وكفاية الوظائف المتعلقة بتقدير الذات .

3 - النمو ما بعد الصدمة Posttraumatic Growth

يعرف بأنه التغير النفسي الإيجابي الذي يشيده الفرد نتيجة تعرضه للصدمات والمحن والشدائد، والتي تؤدى إلى الأرتفاع في مستوي الأداء، تلك الظروف تمثل مجموعة من التحديات يسعى الفرد للتكيف معها، مما يقود الفرد للتغيير في شخصيته من خلال نظرته لنفسه وعلاقته بالآخرين ونظرته للعالم من حوله.

4 - الصمود الأكاديمي Academic Resilience 

الصمود الأكاديمي هو قدرة الفرد على التحصيل الأكاديمي رغم وجود عوامل المخاطرة التي تؤدي عادة إلى إعاقة الأداء الأكاديمي أو تنتج أداء أكاديمي منخفض.

5 - المناعة النفسية

يرى العلماء والمختصون أن المناعة النفسية مفهوم فرضي يقصد به قدرة الشخص على مواجهة الأزمات والكروب وتحمل الصعاب والمصائب، ومقاومة ما ينتج عنها من أفكار ومشاعر غضب وسخط وعداوة وانتقام وأفكار ومشاعر يأس وعجز وانهزامية وتشاؤم، وتمد المناعة النفسية الجسم بمناعة إضافية، ويرون أن للمناعة النفسية توجهات ثلاثة أساسية هي :

  • ‌أ- الطبيعية : وهي مناعة ضد التأزم والقلق، وهي موجودة عند الإنسان المؤمن في طبيعة تكوينه النفسي، فالشخص صاحب التكوين النفسي السليم والراضي بالإيمان القويم، له مناعة طبيعية عالية ضد الهموم والكروب وعنده قدرة عالية على تحمل الإحباط ومواجهة الصعاب وضبط النفس.
  • ‌ب- المكتسبة : هي تلك التي يكتسبها الإنسان من التعلم والخبرات والمهارات التي تمر به ،حيث تعد بمثابة التطعيم لتنشيط جهاز المناعة لديه، وهذا يجعل تعرضه للهموم أقل من جهة الأثر عليه.
  • ‌ج- الصناعية : هي الموجهة من المعلمين والتربويين والمتخصصين بصورة مقصودة إلى من يشكو من ذلك الداء أو غيره من الأمراض التي قد تصيب النفس .

مكونات وأبعاد الصمود النفسي

يمثل الصمود النفسي بنية متعددة المكونات والأبعاد تنطوي علي مهارات خاصة تمكن الأفراد من مواجهة الأحداث الصادمة في الحياة، يشير المحتصون على أن الصمود النفسي يتضمن ثلاثة مكونات رئيسية أولية هي : كفاءة وجودة الصمود "Resilience Quality"، وعملية الصمود "Resilience Process"، والصمود الفطري "Innate Resilience"؛ حيث تقيس كفاءة الصمود السمات النفسية لصمود الأفراد، أما عملية الصمود فتصف كيف يتكيف الفرد مع الأحداث الصادمة، بينما يصف الصمود الفطري هوية العوامل الدافعية التي ربما تؤثر على إستجابات الفرد تجاه المواقف والتحديات

ويشير آخرون إلى أن هناك ثلاثة مكونات أساسية للصمود النفسي، وهي :
  1. التعاطف : قدرة الفرد على التفاعل مع مشاعر واتجاهات وأفكار الآخرين، مما يسهل التواصل والتعاون والاحترام بين الأفراد .
  2. التواصل : تمكن الفرد من التعبير عن أفكاره ومشاعره بوضوح، وتحديد الأهداف والقيم الأساسية التي تمثله، وحل المشكلات التي تواجهه.
  3. التقبل : تقبل الفرد لذاته وللآخرين وذلك بتحديد أهداف واقعية، وتحديد جوانب القوة والفعالية في الشخصية، بالإضافة إلى فهم الفرد لمشاعره والتعبير عنها بصورة سليمة.

أنماط الصمود النفسي

1- النمط التنظيمي Dispositional pattern: وهذا ينتمي لتلك الجوانب الفردية التي ترتقي بتنظيم الصمود في مواجهة ضغوط الحياة، ويمكن أن تتضمن الإحساس بالسيطرة أو الأرتكاز على الذات ،الإحساس بالقيمة الذاتية الأساسية، الصحة الجسمية الجيدة والمظهر الجسمي الجيد.

2- النمط الا رتباطي Relational Pattern: وهو المتعلق بأدوار الفرد في المجتمع وعلاقاته بالآخرين؛ هذه الأدوار والعلاقات يمكن أن تتروح من علاقات وثيقة إلى حميمة، إلى تلك التي تشمل نظام المجتمع الأوسع.

3- النمط الموقفي Situational Pattern: وهو يحدد تلك الجوانب المشاركة في الربط ما بين الفرد والموقف الضاغط، وهذه يمكن أن تتضمن قدرة الفرد على حل المشكلات ،القدرة على تقييم المواقف والإستجابات، الإستعداد لاتخاذ الأفعال والتدابير في مواجهة الم وقف.

4- النمط الفلسفي Philosophical Pattern: وهو يشير إلى نظرة الفرد لنموذج الحياة، وهذه تتضمن معتقدات متنوعة يمكنها أن ترتقي بالصمود، مثل الإيمان بأن المعنى الإيجابي يمكن أن نجده في كل الخب ارت التي نمر بها، الإيمان بأن النمو الذاتي مهم، والإيمان بأن الحياة هادفة، وعلى ذلك فإن الشكل الذي يتخذه صمود الفرد تنوع طبقاً للتنوع البيئي والثقافي للأفراد، إضافة إلى التنوع في المعطيات الشخصية للأفراد الصامدين من خصائص جسمانية أو شخصية أو ذهنية أو ذهنية معرفية .

أبعاد الصمود النفسي

أبعاد الصمود النفسي تتمثل فيما يلي:

  • بعد الكفاءة الشخصية : هو قدرة الفرد الكامنة في التجاوب مع المواقف الجديدة وغير المألوفة.
  • بعد حل المشكلات : هو عملية معرفية يقوم الفرد من خلالها باستخدام ما لديه من قد ارت ومهارات كنوع من الاستجابة للأحداث وتحقيق الأهداف.
  • عد المرونة : هو عملية دينامية تمكن الفرد من إظهار تكيفاً سلوكياً عند مواجهة مواقف غيرعادية، مما يحدث توافقاً إيجابياً يترتب عليه نواتج حميدة .

دورة الصمود النفسي


وضح Pearsal و Patterson & Kelleher الأداء النفسي للأفراد أثناء المحن والشدائد في نموذج أطلق عليه "دورة الصمود النفسي" ووفقاً للنموذج فإن دورة الصمود النفسي تبدأ من الظروف العادية وفيها يحافظ كل فرد على أداء نفسي متوازن، وعند التعرض للمحن أو الظروف الاستثنائية يبدأ الفرد في الإضطراب، وهو ما يعرف بإضطراب المحن Strikes Adversity ، وهنا يختلف الأفراد فيما بينهم وفق مستوى الصمود الذي يتمتعون به ووفقا لتصور بيرسال فإن دورة الصمود النفسي تتم على النحو الآتي :

1 - التدهور Deteriorating : تبدأ بمشاعر الغضب أو الحزن والإحباط، وتنمو هذه المشاعر التي سرعان ما تتحول وتصبح أكثر كثافة مؤدية إلى مزيد من التدهور، فيبدأ الفرد في إلقاء اللوم على الآخرين، أو التقليل من قيمة الذات، ويفشل الفرد في دفع الإحباط والحزن والغضب ويدخل في طور الصحة لبعض الوقت وهذه مرحلة غير صحية، وعلى المدى القصير يمكن أن تكون صحية إذا نجح الفرد في التعامل مع الإحباط والغضب بشكل بناء، وهذه المرحلة قد تطول أو تقصر وذلك حسب المكونات الشخصية والخب ارت السابقة للفرد.

2 - التكيف Adapting :
وبعد مرحلة الانحدار نحو الانخفاض، وحيث يرتد الفرد مرة أخري عكس مسار التدهور صاعداً بقدر كافي بسمح له بالتأقلم مع الأوضاع الراهنة، ويحدث ذلك عندما يتخذ الفرد بعض التدابير والإجراءات التي تمكنه من التعبير، وينظر إلى هذه المرحلة الانتقالية كخطوة ضرورية للانتعاش، لكن لا ينبغي أن تكون الأخيرة.

3 - التعافي Icc Vering : هي استمرار لمرحلة التكيف، وفيها يتم مراسلة المسار الصاعد وتكون مرحلة التكيف بمثابة وسيلة أو قنطرة للوصول إلى التوالي ،وهو ما يعرف بالعودة إلي مستوى الوضع الراهن، مستوى ما قبل بدء الأزمة، وستكون الأمور على ما يرام إذا كان الفرد في مستوى الوضع الراهن، وقد يستمر الأداء النفسي بشكل كاف.

4 - النمو Growing : وفي هذه المرحلة يتعلم الفرد من المحن والشدائد التي تعرض لها ويصل بهذا التعلم إلى مستوى مرتفع من الأداء النفسي يفوق أداءه قبل التعرض للمحن وهو ما يسمى بإستعادة التوازن الفردي للفرد في الاتجاه التصاعدي .

العوامل المؤثرة في الصمود النفسي

للصمود النفسي عوامل تؤثر علي شخصية وقدرة الفرد في التحلي بالصبر والصمود أمام الصدمات :

1 - عوامل الحماية الداخلية :
وتتمثل في سمات الشخصية كالانبساط والتوافق والانفتاح على الخبرة واليقظة، كما تتضمن تقدير الذات والثقة بالنفس، وفاعلية الذات والتقبل، والضبط الانفعالي، وقوة الأنا، والصحة النفسية، والقدرة على حل المشكلات.

2- عوامل الحماية الخارجية :
وتتمثل في القدرات والإمكانات التي تتواجد بالبيئة المحيطة بالفرد، وكذلك الدعم الاجتماعي والمجتمعي والأسري ومساعدة المهنين من خلال تقديم البرامج والدوارت التعليمية والتدريبية التي تساعد الفرد على تجاوز محنته.

مما سبق يتضح أن الفرد الذي يتحلي بالثقة بالنفس والمثابرة والتخطيط الجيد للأهداف يمكنه ذلك من الوقوف بثبات وفاعلية أمام أي تغيرات أو أزمات، بينما الفرد الذي يتحلي بالخوف والقلق والخمول والإحباط يقف عاجزا أمام الأزمات ويفقد لذة الاستمتاع بالحياة.

سمات الأفراد ذوي الصمود النفسي

يعد الصمود النفسي من المتغيرات الإيجابية في زيادة قدرة الأفراد علي تحمل الضغوط بكل أنواعها والتعامل مع ظروف الحياة، وهناك العديد من السمات التي يتصف بها الأفراد ذوي الصمود النفسي المرتفع ومنها : 
  • القدرة على إقامة علاقات جيدة مع الآخرين، 
  • وارتفاع في مستوى تقدير الذات وفاعلية الذات والتدين والشعور بالانتماء، 
  • والمساهمات في الحياة، وامتلاك أساليب لمواجهة الضغوط متوافقة مع طبيعة الفرد والموقف، والانفعال الإيجابي، 
  • وامتلاك المهارات الفعالة في حل المشكلات، 
  • والإيمان بأن الضغوط يمكن أن تزيد الفرد قوة ومرونة وتقبل المشاعر السلبية، 
  • والتعامل الصحيح مع الضغوط واعتبارها تحديات ينبغي مواجهتها، 
  • كما أن الأفراد الصامدين يمكنهم التفكير في طرق جديدة لمعالجة المشكلات التي تواجههم، بالإضافة إلى إيمانهم بأن الحياة مليئة بالتحديات وبالتالي لا يمكن تجنب العديد من هذه المشكلات، ولكن يمكن أن يكون هناك استعداد دائم للتكيف مع التغيير.

كما يستعرض Van Galen عدداً من السمات التي يتصف بها الأفراد ذوي الصمود المرتفع وهي كالآتي :
إقامة علاقات جيدة مع الآخرين، وامتلاك مها ارت تواصلية ومعرفة جيدة، وارتفاع مستوي تقدير الذات والإحساس بالهدف من الحياة، والانفعال الإيجابي وروح الدعابة وامتلاك المها ارت الفعالة في حل المشكلات، ومحاولة تخطي الخب ارت السلبية والتعامل الصحيح معها.

Mohammed
Mohammed