التنمر في الوسط المدرسي

التنمر في الوسط المدرسي






هل التنمر ظاهرة متفشّية في مدارسنا وتستحق البحث فيها ؟ ما الأسباب التي تُحرّك المتنمّر، أهي بيئية أسرية أم طباعًا موروثة أم إصابة بعدوى العُنف وما تنشره وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل يمكن إيقافها ومنع ضررها وكيف؟


تعريف التنمر

هو فعل إيقاع الأذى على فرد أو أكثر جسديًّا أو نفسيًّا أو عاطفيًا أو لفظيًّا، ويتضمَّن كذلك التهديد بالأذى والابتزاز والإذلال أو الاعتداء والضَّرب. ومن ذلك دعوة الطفل أو المراهق باسم لا يُحبُّه، أو بلقب قبيح، أو العمل على نشر شائعات عنه، أو رفضه من قبل الآخرين، أو دفعه وجعله يتعثر، أو التهامس عليه.

بات التنمر مشكلةً واسعة الانتشار في مدارسنا ومجتمعاتنا، وفي العالم الافتراضي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. قديمًا ساد التفكير بأنه لا بُدَّ من ترهيب الطفل كطقس من طقوس بناء شخصية صلبة وقوية، وللأسف ما زال البعض يؤمن بذلك حتى يومنا هذا، لكن كل النظريات النفسية تُشير إلى الأذى الكبير الذي ينتج عن التنمر ، والذي يبدأ من الرسوب المدرسي إلى التسرُّب والعزلة والانسحاب من المجتمع وصولا إلى الانتحار. الآثار إذن قد تكون أكاديمية وجسدية وعاطفية طويلة الأجل على الضَّحية والمتنمر

يُلاحظ أنَّ التنمر هو أكثر أشكال العنف شيوعًا في المجتمع الأميركي، فإحدى الدراسات أشارت إلى أنَّ ما يقارب 30% من التلامذة في الصفوف من السادس وحتى العاشر قد شاركوا في التنمر ، كمتنمّر أو كضحية أو كليهما معًا .

أشكال التنمر

من حق التلامذة أن يتعلموا وسط بيئة آمنة ودون خوف، لكن حين يتعرض أحدهم للتهديد والتخويف مرارا وتكرارًا أو لسوء المعاملة أو التحرش من قبل تلميذ أو أكثر فنحن أمام ظاهرة التنمر. هناك أشكال ثلاثة للتنمر بحسب Cohn, and Canter

  1. التنمر الجسدي : مثال الضَّرب والرَّكل والبصق والدفع والشرقة وتدمير الممتلكات.
  2. التنمر اللفظي : مثال السخرية والإغاظة الخبيثة، إطلاق الأسماء أو الألقاب المؤذية والتهديدات المخيفة.
  3. التنمر النفسي الاجتماعي : مثال بثّ الشائعات المُغرضة والاستبعاد من مجموعة الأقران والابتزاز والإحراج والإرهاب.

يقوم التنمر على مكوّنين رئيسين الترهيب الجسدي أو النفسي، وهو عملية متكرّرة وفي حالٍ من اختلال توازن القوى. فلا يمكننا التحدث عن التنمر في حالات السُّخرية والإغاظة والقتال إن كان الأفراد من نفس القوة الجسدية أو النفسية، أي في توازن للقوى. فالمُتنمّر يسعى للانخراط في سلوك مؤذ ضدَّ "الضَّعيف" والذي لا يستطيع الدّفاع عن نفسه، سواء بسبب حجمه أو مقدار قوته، أو لأنَّه أقل مناعةً من الناحية النفسية.

يميل التنمر إلى التفاقم في الصفوف الإبتدائية، وذروته تكون في الصفوف التكميلية، وتتراجع في الصفوف الثانوية، وذلك بحسب الملاحظات العيادية وتأكيد الهيئة التعليمية في معظم المدارس، ولعلَّ الأمر مرتبط بالنضج والنمو لهذه المرحلة من العمر.

أكثر أشكال التنمر شيوعًا في بلادنا وبين التلامذة يدور حول الشكل الخارجي : الوجه والجسم والثياب والوضع المادي وصولا لشكل الأهل وهيئتهم وممتلكاتهم أطفال مع (منزل وسيارة...). 

الفتيان كما الفتيات يشاركون في التنمر وتشير معظم الأبحاث إلى أن الذكور هم الأكثر تنمرًا وضحايا التنمر في آن معا، والإناث تتورطن بالتنمر أيضًا مع اختلاف الطرق. إذ غالبًا ما يستخدم الذكور التنمر في العدوان الجسدي، في حين أنَّ أسلوب الإناث أكثر دقة، ويأخذ شكل الإغاظة والاستبعاد الاجتماعي. أما في النِّسب المئوية للتنمر بين الذكور والإناث، فهي 8% للذكور مقابل 7% للإناث


خصائص المتنمر

ينخرط المتنمر بانتظام في إغاظة مؤذية أو إطلاق الأسماء الساخرة أو الترهيب، لا سيما ضدَّ الأصغر أو الأقل قدرة على الدفاع عن نفسه. هو يعتقد أنه متفوّق ومتميز ويُلقي باللوم على الآخرين لكونهم ضعفاء، وكثيرًا ما يتصارع المتنمر مع غيره كوسيلة لتأكيد الهيمنة.

المتنمّر يُظهر السلوك العدواني تجاه أقرانه كما تجاه البالغين، وهو يميل إلى المواقف المُشجّعة على العنف، مع سلوك متهوّر وحتٍ للسيطرة على الآخرين. كما أنَّ لديه مستويات متوسّطة إلى مرتفعة من احترام الذات. ويتمتَّع بشعبية بين كلّ من المعلمين وزملاء الدراسة، وقد يكون متميّزا في دراسته أيضًا.

قد نجد أحيانًا أطفالا لطفاء يتنمرون إن رأوا أن المُتنمّرين يُكافأون على سلوكهم أو إذا تواجدوا وسط مجموعة منهم في حالة تنمر جماعي، حتى لو كانوا غير مرتاحين للسلوك، لكن بسبب عدوى المجموعة أو خوفًا من إبعادهم يقومون بالفعل 

معظم سلوك التنمر يتطور استجابةً لعوامل متعدّدة حصلت في المنزل أو المدرسة أو مع مجموعة الأقران. وما يُؤثر في تواتر وشدَّة التنمر هو تغاضي الأهل أو البالغين عن رعاية الطفل والإشراف عليه مع برودة عاطفية ظاهرة في التعامل معه.

تشير الدراسات إلى أن المتنمّرين غالبًا ما يأتون من أُسَر تُستخدم فيها العقوبة البدنية، بحيث يتعلّم الأطفال وسيلة العنف الجسدي للتعامل مع المشاكل 

العلامات التي قد تؤشر إلى الطفل المتنمر

  • يُظهر الطفل سلوكًا عنيفًا متكرراً.
  • شكاوى مُتكرّرة من المحيطين ومن أكثر من طرف وأكثر من جهة ضد الطفل.
  • إحضار أغراض للمنزل ليست ملكه. 
  • القيام بإيذاء الحيوانات دون أن تبدو عليه علامات التأثر، ورغم إبلاغه بسوء الفعل نراه يستمتع بالإيذاء.
  • معاشرة الأصدقاء ذوي السلوك العنيف وتفضيلهم على المسالمين.
  • الضحك من معاناة الآخرين والافتقار للتعاطف معهم.
  • القيام بأذية أخوته باستمرار وبشكل غير مألوف.
  • شديد التحكم والسيطرة والتلاعب بالأشخاص المحيطين به.

خصائص الضحية (المنتمر عليه)


البحوث لا تدعم التأكيد أن بعض الأطفال يتعرَّضون للتنمر بسبب مظهرهم الجسدي، كالسُّمنة أو ارتداء النظارات، بل وُجد أنَّ الأطفال الأكثر عُرضة للتنمر هم الأصغر حجمًا والأقل قوة وإحساسًا بالأمان والأكثر قلقًا وحذرًا . غالبًا ما يبدون ضعفاء وتسهل السيطرة عليهم ولا ينتقمون إذا ما هوجموا ، كما أن ليس لديهم أصدقاء مقربون في المدرسة وهم معزولون اجتماعيًّا، وقد يسعون للبقاء بالقرب من المعلمين أو غيرهم من البالغين ، مُتجنبين الذَّهاب إلى الحمامات وغيرها من المناطق المعزولة، أو متمارضين كعذر للبقاء في المنزل هروبًا من المدرسة 

باختصار يُمكن القول إنَّ من سيتم اختيارهم ليكونوا هدفًا للتنمر هم من الأطفال:
  • المختلفين في المظهر أو الخلفية الثقافية والدينية أو الحالة الاجتماعية، أو ممن لديهم مشاكل صحية أو إعاقات.
  • المتفوقين والموهوبين بشكل استثنائي، أو من يحصلون على اهتمام كبير.
  • المنطوين والخجولين اجتماعيا. الأطفال الجدد بالمدرسة.
  • المسالمين.

المؤشرات بأنّ الطّفل يتعرض للتنمر

عادة ما يميل الطفل المُتعرّض للتنمر إلى الصَّمت بسبب الخوف أو الخزي أو الإحراج، لكن قد يُظهر مؤشّرات تحذيرية على الأهل التنبه لها من تغييرات مفاجئة في المزاج أو السلوك، مثل:

ضياع أو إتلاف الأغراض الخاصة أو الأجهزة الإلكترونية والألعاب.
تجنب الأصدقاء والمواقف الاجتماعية وعدم الخروج للعب.
ضعف الأداء المدرسي أو الامتناع عن الذهاب إلى المدرسة.
التعرض لنوبات من الصداع أو ألم البطن أو الشكاوى الجسدية.
صعوبة في النوم مُستجدَّة دون مُبرّرٍ صحي.
تبدل في عادات الأكل من إكثار أو إقلال أو كره مفاجيء لأطعمة محدّدة.
الضّيق المتكرّر ودون سبب منطقي. 
الشُّعور بالعجز أو انخفاض تقدير الذات الإذلال وانعدام الأمان.
خوف الذهاب إلى المدرسة. 
فقدان الثقة بالنفس.
فقدان التركيز وتراجع الأداء التحصيلي المدرسي.
الخجل الاجتماعي والخوف من مواجهة المجتمعات الجديدة.
احتمال حدوث مشاكل في الصحة النفسية مثل الاكتئاب والقلق، وحتّى حالات انتحار

الآثار الناجمة عن التنمر

1 - على الضحية
كشفت دراسة مسحية لـ إيرلينغ Erling (2002) بعنوان «التنمر : أعراض اكتئايبة وأفكار انتحارية» أجريت على 2088 تلميذا نروجيا في المستوى الثامن، أنَّ المُتنمر كما الضحية قد حصلا على درجات مرتفعة في مقياس الأفكار الانتحارية.

يمكن أن يترتب عن التنمر عواقب أكاديمية وجسدية وعاطفية طويلة المدى وعلى الجميع من متنمرين إلى ضحايا فشهود. أن يحدث التنمر في وسط يُفترض أن يكون آمنًا ومكانا لتعلم الاحترام والانضباط، لهو أمر صادم، وذو تأثير سلبي شديد على فرص التعلم وبناء الشخصية بشكل سليم. وهذه حال الضحية التي غالبًا ما تجد صعوبة في التركيز على واجباتها المدرسية، مع انخفاض في الأداء الأكاديمي (17% تراجع بالعلامات)، ومعدلات عالية من التغيب (16% غياب مُتكرّر) والتسرب المدرسي (12% ترك نهائي للمدرسة) (save the children 2018). وقد تظهر عليها ملامح الاكتئاب والقلق والشعور بالوحدة والمعاناة من العزلة العاطفية والرغبة في الخلاص وبأي وسيلة ممكنة، في الحياة أو من الحياة.

الدراسات التي توثق التأثير السلبي للتنمر على التلامذة قد وجدت أن 15 في المئة منهم يعانون من صدمة أو حزن شديدٍ بسبب مواجهاتهم مع المتنمرين، وقد تستمر هذه العوارض حتى سن البلوغ.


2 - على المتنمر
الآثار السلبية للتنمر وارتداداته تُصيب المُتنمّرين أيضًا، إذ غالبًا ما يجدون أنفسهم أقل شعبية في المدرسة مع القليل من الأصدقاء نظرًا لسلوكهم اللاجتماعي. ولاحقًا هم أكثر عرضة للانخراط في النشاط الإجرامي والسلوك المعادي للمجتمع مع مشاكل قانونية وجنائية، (كالسرقة والإدمان) 


3 - على الشاهد
للتنمر أيضًا تأثير يطال الشُّهود على الفعل، إذ تبيَّن أنَّهم ليسوا بمنأى عن الآثار السلبية على صحتهم النفسية. فهم أكثر عرضة لارتفاع نِسَب الاكتئاب والقلق والغضب واضطراب ما بعد الصدمة، وانخفاض المستوى التحصيلي. التلامذة الذين يشهدون بانتظام التنمر في المدرسة يعانون من القلق والخوف وانعدام الأمان، وخوفهم الأكبر من أن يستهدفهم المتنمّر ذات يوم، مع الشعور بأنَّ ما من حام ومدافع، فالمعلمون وغيرهم من البالغين إمَّا غير قادرين أو غير راغبين في السيطرة على المُتنمرين.

فحين يُشاهد الطفل أفعال التنمر والإيذاء بشكل مستمر، يشعر بالعجز أمام ما يراه وغالبًا ما يُعاني من شعورٍ عميق بالذَّنب، والإحساس بالعجز عن فعل شيء مساعد للضحية، وهذا ما قد يسبب صدمة نفسيةً. لكن لماذا لا يتدخل الأطفال الذين يشهدون واقعة التنمر ؟

تُظهر الوقائع أنَّ أفضل تدخل لوقف التنمر يقوم به الأطفال الذين يشهدون الواقعة، وليس البالغون. لكن في معظم الحالات لا يتدخل هؤلاء الشهود لأنَّهم : 
من أصدقاء المتنمر .
يعتقدون أن طفلًا آخر سيتدخل.
يخافون من تعرضهم للإيذاء أو أن يصبحوا غير محبوبين.
لا تربطهم صداقة بالطفل الذي يتعرض للتنمر .
يشعرون بالقلق والخوف من أن يُصبحوا الضحية التالية.

أسباب التنمر

لعل من أهم الأسباب التي ساهمت في تفشي ظاهرة التنمر تجلت في تفاقم العنف في مدارسنا اليوم، ووصوله إلى مستويات غير مسبوقة، وصلت حد الاعتداء اللفظي والجسدي على المعلمين من التلامذة وأحيانًا من أهاليهم، وهو ما أفقد المعلم هيبته وجعله ينكفىء ويُبدي ضعفًا بمواجهة تلامذته، الأمر الذي شجع بعضهم على التسلط والتنمر . حتى أنه امتد إلى القطاع الجامعي، إذ نادرًا ما كُنَّا نرى عنفًا وتنمرًا من قبل الطلاب نحو الأساتذة وضعفًا في الإجراءات التأديبية .

لعله من الأسهل الحكم على الأفعال بدلا من دوافع المتنمر للقيام بالفعل، والدوافع تختلف من متنمّر لآخر، فما الدوافع والأسباب التي تُحرّك فعل التنمر ؟ يمكن لأي طفل أن يتعلَّم سلوك التنمر ويمارسه في ظل ظروف معينة. ومن الأسباب والدوافع الشائعة التي تجعل الأطفال يتنمرون :

  • الشعور بالإهمال والتجاهل في المنزل أو وجود عُنف أسري وتسلط علائقي بين أفرادها .
  • عدم تعلم كيفية إدارة الضغط، أو عدم اكتساب القدرة على حلّ المشاكل بالطرائق اللاعنفية.
  • اكتساب وتعلم العدوانية والتنمر في المنزل، أو في المدرسة، أو من خلال وسائل الإعلام.
  • تقليد العنف في الألعاب ووسائل التواصل الاجتماعي.
  • الشعور بالدونية.
  • أغلب الأطفال الذين يمارسون التنمر كانوا ضحاياه في مرحلةٍ ما.
  • ضغط الرّفاق، أي أن التلميذ يخشى أن يقوم الآخرون بالتنمر عليه إذا أظهر علامات ضعف أو تعاطف مع الضحية.
  • الشعور بالغضب والعجز وصعوبة التواصل مع الآخرين عند أي مشكلة. والتعبير عن هذا الضّيق عن طريق التنفيس بممارسة السيطرة على الآخرين وبالتحديد الضعفاء منهم.
  • الافتقار إلى الشعور بالأمان النفسي والعاطفي.
  • اضطراب نفسي (غضب وغيرة ونقمة). يمكن للتلامذة استخدام التنمر للتعبير عن التظلم أو الانتقام من الظلم الذي لحق بهم.
  • ضعف نظام المدرسة وإفلات المتنمرين من العقاب.
  • بحث عن الشعبية، إذ يمكن لإعجاب التلامذة أن يُعطي المتنمر شعورًا بالتفوق. 
لا يمكن تغيير سلوك الأشخاص إذا لم تتم معالجة وتغيير أسباب هذا السلوك. فمجرَّد مُعاقبة تلميذ على التنمر، دون معالجة دوافعه الداخلية وأسباب فعلته يجعله يستمر باتِّباع نفس الوسائل "للتواصل" في النزاعات المستقبلية. أمَّا عندما يعمد أولياء الأمور والمدرسين إلى معالجة السَّبب الجذري للمشكلة، فيُصبح بالإمكان تدريب المُتنمر على طرائق بديلة للتعامل مع المواقف الصعبة.


برنامج الوقاية من التنمر

الهدف من برامج الوقاية من التنمر هو تحسين علاقات الأقران، وجعل المدارس أماكن آمنة وإيجابية للتلامذة للتعلم والتطوير. الحاجة إلى هذه البرامج أتت من ملاحظة النقص في التواصل بين التلامذة والمعلمين والموظفين فيما يتعلق بسلوك التنمر. فقليل جدًا من الأطفال يتوجه بالشكوى إن تعرَّض للتنمر، ولأسباب عدة. فمعظم الأطفال، يعتقدون أن المعلمين لن يفعلوا لهم شيئًا، أو لأنهم لا يريدون أن يعرف التلامذة الآخرون أنَّهم يواجهون مشكلة ما، خوفًا من السخرية والتعرض للانتقام مجددًا، أو لأنهم خجولون ويفتقرون للثقة أو لا يريدون أن يسمعوا من المعلمين كلمة "انس وتجاهل الأمر".

جُلَّ ما تريده الضحية من البالغين أن يُصغوا إلى معاناتهم ويصدّقوهم، وأن يعطوهم فرصة للاستماع إليهم بآذان صاغية ومتعاطفة ضمن احترام الخصوصية والسّرية، وخاصة معاقبة المتنمّرين عوضًا عن مجرد إلقاء العظات عليهم.

برنامج Olweus والإستراتيجيات المتبعة لتطوير سبل الوقاية من التنمر

ثمَّة برنامج للوقاية من التنمر لـ (Olweus) (Olweus and Limber,1999)، تم تطويره وتنقيحه في النرويج، وما زال حتَّى اليوم من أفضل وأنجح ما وُضع من برامج، وقد تم تصميمه لرفع الوعي وتحسين العلاقات بين الأقران، والتدخل لوقف التنمر ووضع قواعد واضحة ضد هذا السلوك ودعم وحماية الضحايا ويجب إشراك كلّ من الموظفين في المدرسة والمعلمين وأولياء الأمور وأفراد المجتمع، كما المتنمرين والضحايا والغالبية الصامتة من التلامذة المشاهدين.

الخصائص المميّزة لبرنامج Olweus تتجلى في تحميل الطاقم المدرسي المسؤولية الأولى في التحرك لإيجاد حل لمشكلة التنمر، من مدير ومعلّمٍ وموظف (وليس على أولياء الأمور أو التلامذة). يُفترض استهداف كل التلامذة في المدرسة وليس فقط الذين يعانون من المشاكل مع وضع نظام توجيه إفرادي كما جماعي. والبرنامج وُجِد ليُتبع بشكل متواصل في المدرسة، وهو ليس برنامجا علاجيا مؤقتًا. وقد حُدَّدت الإستراتيجيات العامة التالية كمكوّنات أساسية وفعالة :
تنفيذ برنامج شامل على مستوى المدرسة : على جميع أعضاء المدرسة المشاركة والإلتزام بنهج شامل تجاه تعزيز مناخ إيجابي. ويجب أن يُوفِّر البرنامج بيئة يشعر فيها الأطفال بالعناية والاحترام ويعمد البالغون بصوغ قواعد السلوك المناسب لذلك، مع حدود صارمة وعقوبات ثابتة لسلوك التنمر .

البرامج مستمرة طوال العام الدراسي ومتكاملة مع المناهج الدراسية وسياسات الانضباط في المدرسة وغيرها من جهود منع العنف والتغيير لا يحدث على الفور بل سيتطلب جهدًا متواصلا للمجتمع المدرسي بأكمله لتغيير الثقافة الشاملة للمدرسة.

التدخل المبكر : إذ وجدت الدراسات أن البرامج فعّالة بشكل خاص في مراحل الدراسة المبكرة، حيث أنَّ التنمر يميل إلى الازدياد في الصفوف الإبتدائية، والتدخلات هي أكثر سهولة إن نُفذت في هذه المرحلة.

تقييم مدى المشكلة : خلال المراحل الأولى لتطوير البرنامج، ينبغي استقصاء التلاميذ والمعلّمين وأولياء الأمور حول مدى حدوث التنمر في المدرسة، بحيث توفّر الدراسات الإستقصائية معلومات حول مكان وزمان ومع من يحدث التنمر ، وهو ما يسمح أيضًا لموظفي المدرسة بفحص التباينات بين التلميذ والمعلّم وتصورات الوالدين، وبعد ذلك تتم مناقشة أي من المشكلات المحدّدة في المسح والأكثر إلحاحا وكيفية معالجتها.

القيادة الحكيمة : بعض الأبحاث تشير إلى أن مدير المدرسة الأكثر التزاما ومُشاركة في منع التنمر ومكافحته يساهم في انخفاض معدلات حصوله . كقائد، ينبغي على المدير أن يأخذ مبادرة في الترويج النشط لمكافحة التنمر، من تثقيف الموظفين حول خصائص المُتنمّرين والضحايا، وحول العواقب على المدى الطويل. 

تدريب الموظفين : يجب توفير التدريب للمعلمين والمسؤولين وموظفي المدرسة حتَّى يتمكنوا من التعرف على التنمر والاستجابة له، وتعلم استراتيجيات التدخُل. والتركيز على الموظفين العاملين في الأمكنة التي قد يحصل فيها التنمر (مثل عمال الحراسة وسائقي الحافلات والمراقبين وينبغي أن تُدرج المواضيع التدريبية التالية: 
  • الفرق بين صراع الأقران العادي والتنمر ؛
  • مؤشرات سلوك التنمر ؛
  • خصائص المتنمر والضحايا ؛
  • الآثار السلبية والطويلة الأمد في حال عدم التدخل لدى كل من المتنمر والضحيَّة؛
  • طرائق لدمج السُبل المضادة للتنمر في المناهج الدراسية؛
  • استراتيجيات التصدّي لسلوك التنمر ؛ 
  • وضع قواعد وسياسات واضحة لمكافحة التنمر، وإطلاع جميع التلامذة على عواقب خرق القواعد ؛

ولتأكيد الأهمية التي توليها المدرسة للتصدي لسلوك التنمر ، يُمكن نشر علامات الحظر وقائمة العواقب في كل قاعات الدراسة.

دمج موضوعات مكافحة التنمر في المناهج الدراسية : المعلمون يؤدون دورًا رئيسًا في طريقة عرض سياسات وبرامج التنمر ونقلها للتلامذة. لقد وجدت البحوث أنَّ تدخل المناهج الدراسية يُعد مكوّنًا حاسمًا في مكافحة التنمر، ويجب أن تكون مواضيع مكافحة التنمر مُدمجة في المناهج الدراسية من خلال الأنشطة والمناقشات بحيث يشمل المنهج :
  • تعريف التنمر ؛
  • مناقشات حول كيفية تأثير التنمر على الجميع؛
  • السبل التي تُشجّع التلامذة على استكشاف الاختلافات وتعزيز الصداقات رغم التباينات، وتسهيل المحادثات حول التنمر؛
  • مناقشة الطرق التي تُمكّن التلامذة من مساعدة الضحايا؛
  • دورات إستراتيجية للتلامذة لمناقشة أسباب الأذى والتنمر وكيفية منع حدوثها؛
  • وضع خطة عمل للفصول الدراسية لضمان معرفة التلامذة بما يجب عليهم فعله عندما يلاحظون التنمر؛
  • التدريب على المهارات الاجتماعية وإدارة الغضب؛
  • العمل بشكل فردي مع التلامذة ليتمكنوا من حلّ مشكلة التنمر وحدهم، ويجب أن يخلق طاقم المدرسة جوا من الثّقة، حيث يكون لدى التلامذة الشَّجاعة للإبلاغ عن التنمر ، إِمَّا لأنفسهم أو للآخرين؛
  • نظرًا لأن العديد من التلامذة يشعرون بالحرج أو الخوف من التحدث عن التنمر، يجب أن تبدأ هذه المحادثات من قبل المعلّمين بدلًا من انتظارهم للقيام بذلك؛
  • يجب أن يكون الطاقم على استعداد للتدخُل والتصرُّف السريع عندما يلاحظ التنمر، وأن يُعبّر عن رفضه القوي لهذا السلوك فور حدوثه؛
  • يجب ألَّا تؤدّي برامج مكافحة التنمر إلى وصم التلميذ أيضًا بالمُتنمّر أو الضحية، إذ قد يصبح من الصعب عليه الهروب من هذا الدور. الأفضل أن نهتم بالضحية عبر دعمها وحمايتها من التنمر وإفهامها أنَّها لا تتحمل مسؤولية سوء المعاملة . مع ضرورة تطبيق برامج تدربها على المهارات الاجتماعية وتقدير الذات، كذلك جلسات علاجية إفرادية لمساعدتها على التعامل مع القلق أو الاكتئاب والتقليل من الشعور بالعزلة؛

بالمقابل، وجب العمل مع المتنمّر أيضًا، يُمكن تحميلهم مسؤولية مهمَّة ما بالمدرسة أو عمل روتيني ما، هذا الأمر يلهيه ويُبعده عن ضحيته، ويوفر له فرصة لأداء مهام بنَّاءة، تُساعده على تقدير ذاته والتقليل من السلوك المؤذي مع متابعته ضمن جلسات علاجية نفسية لكشف دوافع سلوكه ومساعدته على ضبطه والتخلص منه. البرامج التي تعلّم التلامذة كيفية التعرف على التنمر واستراتيجيات التدخل، قد يكون لها الأثر الكبير في الحد من أذيَّتها، كأن نطلب من طفل يقف وحيدا، الانضمام إلى لعبة أو محادثة ما، وهذا الأمر يحميه من الوقوع هدفًا سهلا للتنمر .

مفتاح نجاح برامج مكافحة التنمر هو عبر تحويل ميزان القوى من المُتنمّر إلى الغالبية الصامتة من التلامذة. الأغلبية الصامتة يجب أن تكون قادرة على التدخل نيابة عن الضحايا، ومواجهة المتنمر واخباره بوضوح أن سلوكه غير مقبول ولن يتم السكوت عنه.

خلق بيئة مادية آمنة في المدارس : هذه البيئة تُعزّز السلامة الجسدية وتقلل التنمر من خلال تنفيذ الإستراتيجيات التالية :
  • توفير المزيد من الإشراف الذي يقوم به البالغون في المناطق التي يميل فيها التنمر إلى الحدوث. وعلى المسؤولين تحديد هذه المواقع والعمل مع موظفي المدرسة لضمان الإشراف المناسب في هذه المناطق الملاعب والحافلات والممرات والحمامات التي توفر فرصا سهلة للمتسلّلين لعزل ضحاياهم.
  • إنشاء نظام إبلاغ سري يسمح للتلامذة بالإبلاغ عن التنمر، مع تسجيل تفاصيل حوادث التنمر، كما وضع خط هاتفي ساخن للتنمر أو "صندوق التنمر" للإبلاغ. 


خطوات تساعد الأهل في التعامل مع أطفالهم ضحايا التنمر

على الأهل معرفة أنَّه غالبًا ما يتوقف التنمر عند تدخّلهم بحزم وبشكل صحيح، ومن الضَّروري التدخل السريع لأنَّ تبعات التنمر قد تكون خطيرة جدًا (كما سبق وذكرنا) ومتى ما اشتبهوا بتعرض طفلهم للتنمر، يجب أخذ الموقف بجدية والقيام بالتالي:

1 - في التعامل مع التعامل مع الطفل

حثّ الطفل على مشاركة مخاوفه : على المسؤول عن الطفل الحفاظ على هدوئه والاستماع ودعم مشاعره بالإعراب عن تفهمه لقلقه. وليُذكّره أنَّه ليس مسؤولًا عمَّا تعرَّض له.  ولعدم مقارنته بطفل آخر ولا الطلب منه الرد بالمثل (العنف بالعنف)، فلو كان ذلك ممكنا لما انتظر إشارة من أحد بالأساس.

الاستعلام عن الموقف : الطَّلب من الطّفل أن يصف كيف ومتى يحدث التنمر ومن هم المتنمّرون والتعرف على ما فعله في محاولته لإيقاف التنمر، وسؤاله عمَّا يُمكن فعله لمساعدته على الشعور بالأمان. أي لإشراكه في الخيارات.

إعطاء الطفل سُبلا للتعامل مع التنمر : لا لتشجيعه على الانتقام أو الدخول في عراك مع المتنمر. وبدلا من ذلك، فليحاول أن يقول للمتنمّر أن يتركه وشأنه، أو ليتعلم أن يبتعد عنه ويتجاهله أو يطلب المساعدة من المدرّس أو أي شخص بالغ. وللاقتراح عليه البقاء مع أصدقائه والابتعاد عن الأمكنة التي قد يحدث فيه التنمر. 

التحدث مع الطفل بشأن التكنولوجيا : الحرص على معرفة كيف يستخدم الطفل الإنترنت أو منصات التواصل الاجتماعي أو هاتفه للتفاعل الآخرين. حماية له من التنمر الإلكتروني. وإن كان فعلا يتعرّض لهذا النوع من التنمر ، فلا يجب حرمانه على الفور من إمكانية الوصول إلى الأجهزة أو الكمبيوتر . فربما يكون الطفل ممتنعا عن الإبلاغ عن التنمر خوفًا من حرمانه من هاتفه المحمول أو مزايا الإنترنت. لطمأنته أنَّه لن يُحرم من مزايا الأجهزة الإلكترونية إن شاركهم مشكلاته أو مخاوفه أو أي إزعاج يشعر به من قبل شخص أو غيره على الإنترنت. والعمل على تشجيعه ليقوم بالألعاب الفعلية، مثل أنواع الرياضة التي قد يُظهر ميلا نحوها حيث يستطيع إثبات نفسه بشكل ملموس وواقعي وليس الاكتفاء بالألعاب الافتراضية.

تعزيز ثقة الطفل بنفسه : وتشجيعه على تكوين صداقات لتعزيز شعوره بالأمان وبأنه يمكنه دائما الاعتماد على دعم الأهل ولتعزيز شعوره بقبول ذاته.

2 - في التعامل مع التنمر

تسجيل التفاصيل : على الأهل تدوين تفاصيل التنمر التي تتضمَّن التاريخ والأشخاص الذين اشتركوا في هذا الأمر وما حدث بالضَّبط وحفظ لقطات من الشَّاشة والرسائل الإلكترونية والنصوص.  

الاتصال بالسلطات المختصة : طلب المساعدة من المدير أو المدرس أو مستشار التوجيه بالمدرسة والإبلاغ عن التنمر الإلكتروني لموفّري خدمات الويب والهاتف المحمول أو المواقع الإلكترونية أو السلطات الأمنية. إذا تعرض الطفل لهجوم جسدي أو تم تهديده بإلحاق الضرر، يُفترض التَّوجه إلى مسؤولي المدرسة والاتصال بالشرطة. 

طلب الاستشارة النفسية : إذا ظهرت على الطفل عوارض ما بعد الصدمة جراء تعرضه للتنمر المستمر، يجب استشارة أحد موفري خدمات الصحة النفسية، كما التحدث إلى أحد المحامين، فاتخاذ موقف قانوني لإيقاف ثقافة التنمر قد يجعل المجتمع أكثر أمنًا لجميع الأطفال. 

في التعامل مع الابن المتنمر

التعامل مع المشكلة بجدية، فالأهل يميلون إلى إنكار قيام أطفالهم بهكذا تصرفات، ويشعرون بالحاجة إلى الدّفاع عنهم في جميع الأحوال، أو القول إن كل الأطفال يفعلون ذلك ويتصارعون فيما بينهم.

عدم تبرير السلوك، حرصًا على سلامة الطفل وصحته النفسية، لتنبيه الأهل في عدم مُحاولة تبرير تصرفات طفلهم العنيفة فهم مضطرون لمواجهة إدارة المدرسة وأهالي الضحايا عند شكواهم، وليستمعوا لهم كما لطفلهم لتفهم المشكلة والبحث عن أسباب سلوكه.

شرح الضَّرر، يُفترض أن يقوم أهل المُتنمّر بشرح الأذى الذي يستبه سلوكه لرفاقه، والذي قد يكون خطيرًا جدًا وممتدا لمدى الحياة من دون ذنب اقترفوه وليعلم أنَّ الأذيَّة تطاله هو أيضًا دون أن ينتبه، وأن بإمكانه الاعتذار لمن أساء اليهم مُظهرًا بذلك ترفعا وكبرًا.

توضيح الموقف من سلوك الطفل، على الأهل أن يكونوا حازمين وصارمين، مع الشرح أنَّه إذا استمر على سلوكه فستترتب عليه عقوبات معينة. وبعدها العمل على مساعدته كي يُحسّن سلوكه السيء. 

تقديم بدائل لسلوك التنمر، الأطفال قابلون للتغيير إن قدمنا لهم الدعم والبدائل، وليس من الضروري أن يبقى الطفل المعتدي معتديًا طوال حياته إذا أعانه والداه على إصلاح سلوكه، والبداية تكون بالإصغاء ومعرفة أسباب هذا السلوك، وتغيير أساليب المعاملة الوالدية وتحسين التواصل ضمن الأسرة. وينبغي امتداح الطفل حين يُظهر التعاطف مع الآخرين، وإظهار التقدير لأي تحسن سلوكي يبديه، حتى لو كان ذلك عدم التسبب بأي مشكلة لوقت قصير، والتحدث معه عن هذا التقدير لتحسُّنه السلوكي، ومساندته ومكافأته على كل تصرف فيه شيء من المشاركة والاندماج واللطف، وإظهار التعاطف مع الآخرين. 

إشراكه بعمل مجتمعي يناسب سنه ويمكنه من تقديم خدمات للآخرين.

أمَّا إذا لم يتوقف السلوك المتنمر، يجب التوجه نحو المساعدة النفسية.




بالنّهاية التنمر هو سلوك مكتسب من البيئة، ويشكّل خطرًا على جميع الأطراف المشاركة به، ومن المهم أن تزيل الفكرة الخاطئة لدى الكثير من الناس التي ترى في التنمر سلوكًا طبيعيًا بين الأطفال، وينتهي تلقائيًا حتى من دون تدخل. والصَّحيح أنَّ الجميع قد يعاني من صعوبات نفسية وجسدية تؤثر على حياته ونموّه، ومن هنا ضرورة التدخُل المُبكر


من طرف : إلهام حسن الحاج حسن




Mohammed
Mohammed