مربع البحث

العقاب وتعديل السلوك

العقاب وتعديل السلوك




تعريف العقاب

لعل أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ عند الحديث عن العقاب هو الإيذاء الجسدي كالضرب مثلاً ، أو الإيذاء النفسي ، كالتوبيخ والانتقاد ، وذلك بالطبع يعود إلى حقيقة أن هذا هو نوع العقاب الشائع في الحياة اليومية. ولكن العقاب أنواع عديدة .

وهو كذلك لا يعرف علمياً على هذا النحو . فالعقاب يعرف على أنه أي إجراء يؤدي إلى تقليل احتمال حدوث السلوك في المستقبل في المواقف المماثلة) 

وقد يأخذ العقاب أحد الشكلين التاليين :
  • أ- تعريض الفرد لمثيرات بغيضة أو منفرة (Aversive Stimuli) ويسمى العقاب في هذه الحالة بالعقاب من النوع الأول
  • ب حرمان الفرد من إمكانية الحصول على التعزيز ، وذلك بعد قيامه بالسلوك مباشرة ويسمى العقاب في هذه الحالة بالعقاب من النوع الثاني .

إن الطريقة الوحيدة لمعرفة ما إذا كان المثير عقابياً أو غير عقابي ، هي ملاحظة نتائجه على السلوك . فإذا ضعف السلوك أو توقف يكون ذلك المثير عقابياً . بمعنى آخر ، فالعقاب كالتعزيز يعرف وظيفياً ، والفرق بينهما هو أن التعزيز يقوي السلوك بينما العقاب يضعفه . وهكذا فتوبيخ المعلم للطالب قد يكون عقاباً ، وقد لا يكون . فاذا تبين أن التوبيخ أدى إلى إضعاف السلوك فهو عقاب ، أما إذا لم يضعف السلوك فالتوبيخ في هذه الحالة ليس عقاباً . 

والمثيرات العقابية نوعان :

  • أ- المثيرات العقابية غير الشرطية (Unconditioned Punishing Stimuli) .
  • ب المثيرات العقابية الشرطية (Conditioned Punishing Stimuli) . 

ويعرف المثير العقابي غير الشرطي على أنه الشيء الذي يزعج الإنسان أو يؤلمه بطبيعته . فهذا المثير لا يكتسب خاصية العقاب من خلال الاقتران بمثيرات عقابية أخرى (عملية الإشراط) . ومن الأمثلة على ذلك الصوت المزعج ، والألم ، والحـر الشديد ، الخ ، وعلى أي حال فإن معظم المثيرات العقابية في حياتنا اليومية هي مثيرات عقابية شرطية . هذه المثيرات تكون حيادية في البداية (غير مزعجة أو مؤلمة) ولكنها تكتسب خاصية العقاب بعد اقترانها بشكل متكرر بمثيرات بغيضة . ومن الأمثلة على هذا النوع من المثيرات العقابية تعبيرات الوجه التي تعكس عدم الرضا عن سلوك الآخرين أو قول «لا» بصوت حاد . وتعتمد القوة العقابية لهذه المثيرات على طبيعة المثيرات البغيضة غير الشرطية أو الشرطية التي اقترنت بها ومدة اقترانها .

كيفية استخدام العقاب

لا يكمن الخطأ في الإجراءات العقابية ذاتها، بقدر ما يكمن في كيفية استخدامها ، فاستخدام العقاب بنجاح يتطلب التعرف إلى العوامل التي تؤثر في فعاليته والعمل على مراعاتها . وفيما يلي عرض موجز لتلك العوامل :

-1 تحديد السلوك المستهدف
يجب تحديد السلوك المستهدف (Target Behavior) أي السلوك المراد تقليله وتعريفه إجرائياً. وكذلك يجب التأكد من أن الشخص الذي سيخضع سلوكه للعقاب يفهم جيداً ما هو متوقع منه ، وما هو السلوك المستهدف قبل البدء بتنفيذ العقاب و تعريف السلوك بدقة ووضوح يزيد احتمالات معاقبته هو بالذات

-2 جدول العقاب
ربما يكون جدول العقاب (Schedule of Punishment) أكـثـر أهمية من نوع العقاب المستخدم . فالدراسات العلمية تشير إلى أن جدول العقاب المتواصل أكثر فعالية من جدول العقاب المتقطع . وبناء على ذلك ينصح بمعاقبة السلوك غير المرغوب به في كل مرة يحدث فيها ، وتجنب معاقبته في بعض الأحيان فقط

-3 طبيعة المثيرات المستخدمة
تأكد من أن المثير الذي تستخدمه لتقليل سلوك الشخص مثير منفر له بالفعل فما قد يبدو لك أنت على أنه منفر قد لا يكون كذلك بالنسبة له

-4 شدة العقاب
من العوامل الأخرى التي تؤثر في فعالية العقاب شدته (Intensity of Punishment). ففي هذا الصدد، توضح البحوث أنه كلما زادت شدة العقاب كان أثره في السلوك أكبر . إن ذلك لا يعني استخدام العقاب العنيف وإنما تجنب زيادة شــدته تدريجياً فذلك سيؤدي في النهاية إلى تعود الشخص عليه

-5 فورية العقاب
إن فورية العقاب (Immediacy of Punishment) من أهم العوامل التي تزيد فعاليته . ولذلك يجب معاقبة السلوك غير المرغوب به بعد حدوثه مباشرة . فالعقاب المباشر يجعل الشخص يقرن السلوك غير المرغوب به بالعقاب ويؤكد له أن ذلك السلوك لن يحتمل . ومن ناحية أخرى فقد يترتب على العقاب المؤجل معاقبة سلوكات مقبولة ، ربما تكون قد حدثت بعد السلوك المراد تقليله . وأخيراً فإن معاقبة السلوك منذ بداية حدوثه ، أكثر فعالية من الانتظار إلى أن ينتهي الشخص من تأديته

6- استخدام العقاب بهدوء
لا تستخدم العقاب وأنت في حالة انفعالية شديدة ، فذلك قد يترتب عليه عواقب وخيمة . كذلك فقد يعمل غضبك وانفعالك بمثابة مكافأة للشخص المعاقب . ومن ناحية أخرى ، فلا حاجة بك للدخول في مناقشات مطولة عند استخدام العقاب بل اكتف فقط بذكر أسباب استخدامك له ونفذه مباشرة .
 
-7 استخدام العقاب بطريقة منظمة
استخدم العقاب بشكل منظم (Consisteney of Punishment) فلقد أوضحت البحوث التجريبية الأساسية والتطبيقية أن عدم الثبات في التعامل مع السلوك غير المرغوب به يحد إلى درجة كبيرة من إمكانية ضبطه .

-8 تعزيز السلوك المرغوب به
إضافة إلى معاقبة السلوك غير المرغوب به يجب تعزيز السلوك المرغوب به . فذلك يحد من النتائج السلبية للعقاب ، ويساعد الفرد على التمييز بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول. فالتعزيز يبني العلاقات الإيجابية ، ويزيد على المدى البعيد فعالية العقاب . فعلى الأغلب إن الكلمة النابية من شخص نكن له الاحترام والمودة أكبر أثراً في أنفسنا من كلمة يقولها لنا شخص لا تربطنا به علاقة إيجابية . كذلك فتعزيز السلوك أمر مرغوب به يؤكد للشخص أن لديه سلوكات تحظى بتقديرنا وهذا بدوره يقلل احتمالات تأثر مفهوم الذات لديه

-9 الامتناع عن تعزيز السلوك غير المرغوب به
تجنب تعزيز السلوك غير المرغوب به بعد معاقبته ، فذلك يحد من فـعـالـيـة العقاب . وبالرغم من أن ذلك يبدو أمراً بديهياً ؛ إلا أن كثيراً من الآباء والمعلمين يعاقبون ، فإذا أحسوا بالندم ابتدأوا مباشرة بترضية ( تعزيز) الفرد . إن علينا استخدام العقاب وفق قوانين محددة وواضحة ، ولعلّ الشعور بالندم يعني أن استخدامه كان عشوائيا

-10 معاقبة السلوك وليس الفرد
عاقب السلوك غير المرغوب به دون الاعتداء على كرامة الشخص ، وإلا فقد يحاول الانتقام بشكل مباشر أو غير مباشر من ناحية ، أو قد يتأثر مفهوم الذات لديه تأثراً بالغاً من ناحية أخرى

-11 تهيئة الظروف البيئية المناسبة
إذا كنت تريد من الشخص أن يتوقف عن سلوكات معينة ، فعليك أن تهيئ الظروف التي ستدفعه إلى تأدية سلوكات بديلة . وذلك يتطلب إزالة المثيرات التي تشجعه على القيام بالسلوك غير المقبول ، وتوفير المثيرات التي تزيد دافعيته للقيام بالسلوك المقبول .

-12 استخدام العقاب عند الضرورة فقط
تجنب استخدام العقاب بشكل فائض ، فذلك يؤدي إلى تعود الشخص عليه ، الأمر الذي يحد من فعاليته إلى درجة كبيرة. فالعقاب يصبح أمراً روتينياً بالنسبة للشخص فلا يثير أي قلق لديه من ناحية أخرى ، قد يؤدي استخدام المثير العقابي نفسه بشكل متكرر في النهاية إلى الإشباع كما هو الحال عند استخدام التعزيز المتواصل . ولهذا، يجب استخدام أنواع مختلفة من المثيرات العقابية وعدم استخدام المثير العقابي نفسه مرة تلو الأخرى

13- القياس المتكرر
وأخيراً يجب قياس السلوك المستهدف بشكل متواصل . فلما كان العقاب يعرف وظيفياً ، فلا بد من جمع بيانات صادقة عن نتائج الإجراء المستخدم على السلوك . ففي غياب البيانات الصادقة ، قد نعتقد أن ما نفعله عقاب رغم أنه ليس كذلك فنزيد السلوك غير المرغوب به بدلاً من أن نقلله

سيئات العقاب

1 - قد يولد العقاب ، خاصة عندما يكون شديداً ، العدوان والعنف والهجوم المضاد . ففي سياق مناقشته لنتائج العقاب الجسدي في المدارس ، في ضوء نتائج البحث العلمي ..  يقول سكنر (1968 ,Skinner) : "إذا كان المعلم ضعيفاً فقد يهاجمه الطالب بشكل مباشر . وهو قد يتصرف بوقاحة ، وقد يتحدى المعلم ويكون فظاً . كذلك قد يصبح سلوكه اللفظي قذراً والاعتداء الجسدي على المعلمين ظاهرة شائعة هذه الأيام. وتخزيب ممتلكات المدرسة شكل آخر من أشكال الضبط المضاد الذي تزداد خطورته يوما بعد يوم"

2- العقاب لا يشكل سلوكات جديدة ، إنه يكبح السلوك غير المرغوب به فقط ، بمعنى آخر يعلم العقاب الشخص ماذا لا يفعل ، و لا يعلمه ماذا يفعل

-3 يولد العقاب حالات انفعالية غير مرغوب بها ( كالبكاء والصراخ والخوف العام والخنوع وذلك في أغلب الأحيان يعيق تطور السلوكات المرغوب بها . 

-4 يؤثر العقاب سلبياً في العلاقات الاجتماعية بين المعاقب والمعاقب . فكما هو معروف ، يكتسب الشيء الذي يقترن بالمثير العقابي خاصية العقاب . بعبارة أخرى ، يصبح المعلم الذي يستخدم العقاب بكثرة، هو نفسه في النهاية شيئاً منفراً بالنسبة للطالب. وبالمثل ، إذا عاقب الأب ابنه في كل مرة يحاول فيها تعليمه الحساب ، فما يحدث في نهاية الأمر هو أن الحساب والأب والمثيرات الأخرى ذات العلاقة تصبح منفرة ومكروهة بالنسبة للابن

-5 العقاب يؤدي إلى تعود مستخدمه عليه . فالعقاب يعمل عادة على إيقاف السلوك غير المرغوب به بشكل مباشر وذلك بدوره يعمل بمثابة معزز سلبي لمستخدمه ( التعزيز السلبي هو تقوية السلوك من خلال إزالة المثيرات المنفرة) . 
وما يعنيه ذلك عملياً هو أن المعاقب يصبح أكثر ميلاً إلى استخدام العقاب في المستقبل وبشكل أعنف وهذا ما يسمى بمصيدة العقاب (Punishment Trap) . ونتائج ذلك قد تكون وخيمة في النهاية .

-6 من النتائج السلبية الأخرى للعقاب أنه يؤدي إلى الهرب والتجنب . فقد يبتدئ الطالب بالتمارض مثلاً ، وبالتغيب عن المدرسة إذا ما اقترن ذهابه إليها بالعقاب المتكرر . والأكثر من ذلك هو أن الطالب قد يتسرب من المدرسة إذا كان العقاب شديداً ومتكرراً .

7- قد يؤدي العقاب إلى خمود عام في سلوكات الشخص المعاقب . فقد تقلل معاقبة المعلم للطالب عن إجابته غير الصحيحة عن السؤال ، من سلوكه اللفظي العام ومن مشاركته في نشاطات الصف خشية من العقاب

8- تشير البحوث العلمية أيضاً إلى أن نتائج العقاب غالباً ما تكون مؤقتة . فالسلوك يختفي بوجود المثير العقابي ويظهر في غيابه .

9- يؤثر العقاب سلبياً في مفهوم الذات لدى الشخص المعاقب ويحد من التوجيه الذاتي لديه خاصة إذا حدث بشكل متكرر وإذا لم يصحبه تعزيز للسلوك المرغوب به 

10- كذلك فمن سيئات العقاب أنه يؤدي إلى النمذجة السلبية . فالأب الذي يستخدم العنف الجسدي مع ابنه يقدم نموذجاً سلبياً سيقلده ابنه . فعلى الأغلب أن الابن سيلجأ إلى الأسلوب نفسه في التعامل مع الأطفال الآخرين .

-11 وأخيراً ، فالعقاب، وخاصة الجسدي منه ، قد ينتهى أحياناً بالإيذاء الجسدي للمُعاقَب (كجرحه) ، أو كسر يده ، أو إحداث إعاقة جسمية أو إصابة مزمنة

حسنات العقاب

إننا ننادي بالإعتماد على التعزيز لا على العقاب لضبط السلوك الإنساني ؛ سيئات العقاب الكثيرة ، إلا أن ذلك لا يعني أن العقاب ليس له حسنات . فالحقيقة التي لا بد من معرفتها هي أن للعقاب حسنات عديدة ونذكر منها هنا :

أ- إن الاستخدام المنظم للعقاب ، يساعد الفرد على التمييز بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول

ب- يؤدي العقاب إذا استخدم بشكل فعال إلى إيقاف أو تقليل السلوكات غير التكيفية بسرعة . ولعل هذا هو السبب الرئيس وراء استخدامه بشكل واسع في الحياة اليومية ، فالعقاب ببساطة يشتمل على تعزيز مستخدمه سلبياً، وذلك من خلال التخلص من المثيرات البغيضة .

جـ- إن معاقبة السلوك غير المقبول ؛ يقلل من احتمال تقليد الآخرين له .

تعليقات
ليست هناك تعليقات

    اطلع على مقالات موقع المرجع في جوجل نيوز

    يمكنك الحصول على مقالات موقع المرجع من هنا

    اضغط هنا



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -