بناء الشخصية في نظرية التحليل النفسي

بناء الشخصية في نظرية التحليل النفسي






تشتمل الشخصية في نظرية التحليل النفسي على ثلاثة أجهزة أو منظمات نفسية رئيسة، هي: الهـو، والأنـا، والأنـا الأعـلى ، وفيما يلي شرح موجز لكل منها.

الهـو Id : 

الهو مستودع الطاقة النفسية، يتكون من كل ما هو موروث وكائن منذ الولادة، بما في ذلك الغرائـز الجنسـية والعدوانية القوية الهائجة، والرغبات المكبوتة، والنزعات المستهجنة، إنه طبيعة الإنسان الحيوانية قبـل أن يلحقهـا التهذيب، ومن َّ ثمَ فهو النفس َّ الأمارة، والهو جانب لا شعوري عميق منقطع الصلة عـن العـالم الخـارجي، لا يتغـير بمضي الزمن أو بمرور الخبرة، ولاعلاقة له بالمعايير أو القيم أو الأخـلاق والمثـل العليـا، والصـواب والخطـأ، أو الخـير والشر، ولا يخضع لقوانين أو قواعد أو منطق، فهو يسير وفق مبدأ اللذة ويبحـث عنهـا، ولا تراعـي حاجاتـه مبـدأ الواقع، ولا يهمه الواقع الموضوعي، ويسيطر هذا الجانب - الذي يعد الصورة البدائيـة الأصـلية للشخصـية – عـلى سلوك الطفل الصغير والمنحرف والمريض النفسي والعقلي، وحياة الهو قريبة من الإنسان البدائي .

والهو لا يكبر أبداً، والدليل على ذلك أننا إذا درسنا رجلاً في الثمانين من عمره، فسوف نجده يشتهي الحسناء ، ويولع بالحلوى، ويحب الهدوء …، وغير ذلك من صور الهو، ولكن الهو ليس كله شر، وليس َّ ثمَة داعٍ للخجل منـه؛ لأنه مستقر الطاقة، والقوة المحركة للإنسان، ويتمايز منه الجهازان الآخران: الأنا والأنا الأعلى .

الأنـا Ego

الأنا مشتق من الهو بوصفه منظمة بدائية، ذلك أن الهو يسير وفق مبدأ اللذة، ولكن احتكاك الطفل بالواقع، وبتأثير من مواجهة الهو للعالم الخارجي، ينسلخ من الهو جزء يسير وفقاً لمبدأ الواقع، وهو الأنا، الذي يفكر تفكـيراً موضوعياً معقولاً، ويتمشى مع الظروف الاجتماعية المتعارف عليها، والأنا ليس منفصلاً عن الهو انفصالاً تاماً، وليس له وجود مستقل عنه، والجزء الأكبر من الأنا شعوري، والجانب الأصغر منه لا شعوري، والأنا هـو الجانـب المـنظم من الهو، وينسلخ عنه ليحقق أهدافه ولا يحبطها، وقوته مستمدة من الهو .

ويـــدرك الأنـا أن الإشــباع الفـــوري للــدوافع مجلبـــة للمتاعـــب، فيبـــدأ في إرجـــاء إرضاء نزعاته، ويتعلم الانتظار، على هذا الأساس يتكون الأنا وينمو بتأثير من الخـبرة والـتعلم والاحتكـاك بـالواقع والتعامل معه، بما فيه من خبرات مؤلمة، ومن ثم يعمل الأنا على التخفيف من مطالب الهو واندفاعه، ويعمل على ضبطه وتوجيهه، فله إذن وظيفة توفيقية Eclectic مهمة؛ إذ يوفق بين مطالب الهو ومتطلبات الواقع، كما يوفـق بين مطالب الهو والأنا الأعلى، فهو إذن المدافع عن الشخصية، والعامل على حسن توافقها مع البيئة، والقـائم عـلى حل الصراع بين الإنسان والواقع أو بين الحاجات المتعارضة للإنسـان، وهـو يخـدم ثلاثـة مـن السـادة: الهـو، والأنـا الأعلى، والعالم الخارجي، وتنشأ الأمراض النفسية غالباً عن الصراع بين الأنا والهو.

والأنا مركز الشعور والإدراك والإرادة والحكم واختبار الواقع، ولـه السـيطرة عـلى جميـع الوظـائف المعرفيـة والعمليات العقلية العليا، ويعرف ما يدور في البيئة المحيطة بنـا، والأنـا ينـام، ولكنـه يمـارس رقابتـه عـلى الأحـلام ، ويحرص على أن يكون أخلاقياً، كما أن الأنا هو ذلك التنظيم الذي يمكننا مـن الشـعور بأنفسـنا؛ إذ يقـوم بوظيفـة ندركها ونشعر بها ونعرفها في أنفسنا، كأن نقول: أنا أحب، أنا أعتقد، أنا أكـره، أنـا سـأفعل، أنـا لـن أفعـل…، إلـخ .

الأنا الأعلى Super-ego

تصدر تصرفات الطفل الصغير تبعاً لمبدأ اللذة كما أسلفنا، ولكن الطفل يتعلم – كلما شب عـن الطـوق – أن يكف نفسه عما يشتهى، وأن يفعل ما لا يشتهي، لا لشيء إلا ليتجنب عقـاب الوالـدين ويحـوز ثـوابهما، ويحـدث هذا التطور إذ يتمثـل الصـغير أوامـر الوالـدين ونـواهيهما ويسـتدمجها، ويـتقمص الصـورة المثاليـة لهـما ومـن في مقامهما، وتتبلور في نفسه أفكارهما عن الصواب والخطأ، الخير والشر، الحق والباطل …، إلـخ، وذلـك عـلى شـكل سلطة داخلية تعمل عمل الوالدين حتى عند غيابهما، فينصب داخله حارسا من لدنه، ورقيبـاً مـن داخلـه، يصـدر إليه الأوامر والنواهي وينقده ويؤدبه ويهدده بالعقاب، ويمثـل العـادات والتقاليـد والعـرف والقـيم والمثـل العليـا والمبادئ الخلقية، وقوانين الجماعة داخل الفرد، ويهيب بنا أن نفعل وألا نفعل، وما ذلك إلا الأنا الأعلى أو الضمير ، أو الدرع الأخلاقي للشخصية، أو النفس اللوامة .

وعلى الرغم من أن الأنا الأعلى جزء منفصل عن الأنا منسلخ منه َّ تكون نتيجة نمو وتعديل لـه، فإنـه مسـيطر على الأنا، والناقد الخلقي له، والضمير اللاشعوري الذي يتحكم فيه، والمراقب له، ووظائف الأنا الأعلى ثلاث هي: كف دفعات الهو، وإقناع الأنا بإحلال الأهداف الخلقية محل الأهداف الواقعية، والعمـل عـلى بلـوغ الكـمال وتحقيـق المثال، فإذا كان الهو يسيّره اللذة، والأنا يحركه الواقع، فإن الأنا الأعلى يعمل صوب بلوغ الكمال، لا يعاقـب الفـرد على العمل السيء فقط بل على مجرد النية .

ويبدأ الأنا الأعلى في النمو حوالي السنة الثالثة أو الرابعة من العمر، ليساعد على حل مشكلة العلاقة مع الأب (أو الأم)؛ ولذا فهو وريث عقدة أوديـب، والجانـب الغالـب فيـه لا شـعوري، ولا يتـأثر بالآبـاء والمعلمـين ومـن في حكمهما فحسب، بل إنه يرتبط ارتباطا وثيقا بالتربية الدينية لدى الفرد .

ويبين الجدول التالي مقارنة بين هذه الأجهزة الثلاثة.


مقارنة بين الأجهزة الثلاثة للشخصية لدى فرويد

المقارنة

الهو

الأنا

الأنا الأعلى

الطبيعة

يمثل الجوانب البيولوجية

يمثل الجوانب النفسية

يمثل الجوانب المجتمعية

الإسهام

الغرائز

الذات

الضمير

توجه الزمن

الحاضر بشكل عاجل

الحاضر

الماضي

المستوى

اللاشعور

الشعور واللاشعور

الشعور واللاشعور

المبدأ

اللذة

الواقع

الأخلاق والفضيلة

الهدف

البحث عن اللذة وتجنب الألم

التكيف للواقع ومعرفة

الصواب والخطأ

يمثل الخير والشر

الغاية

الإشباع الفوري

الأمان والحلول الوسطى

الكمال

العملية

غير عقلاني

عقلاني

غير منطقي

الواقع

ذاتي

موضوعي

ذاتي



العلاقة بين الأجهزة النفسية الثلاثة

الهــو والأنــا والأنــا الأعــلى ليســت مقصــورات أو حجــرات منفصــلة، ولا قطاعــات مســتقلة في الــنفس البشريــة، ولكنهــا مجــرد مفــاهيم أو أســماء لعمليــات نفســية وقــوى نشطة متفاعلة متصارعة متداخلة، تعمل وفق نظم تختلف مبادؤها، وفي حالة السواء والصحة النفسية لا تصطدم هذه المبادئ بعضها ببعض، ولا تتعارض معاً، بل تعمل كفريق متناغم متكامـل تحـت قيـادة الأنـا وإدارتـه، والأنـا الناضج يظل خاضعاً لسلطة الأنا الأعلى.
 
ويمكننا النظر إلى الأنا على أنه المكـون الـنفسي للشخصـية، والهـو المكـون البيولـوجي الحيـوي، والأنـا الأعـلى المكون الاجتماعي الأخلاقي، وإن نجاح الأنا في التوفيق بين القوى الثلاث: الهو، والأنا الأعلى، والواقع – بمـا يفرضـه كل منها على الإنسان من مطالب وضغوط – هو السبيل إلى الصحة النفسية.
Mohammed
Mohammed