الشخصية عند روجرز

الشخصية عند روجرز





على الرغم من أن كارل روجرز لم يعُرف الشخصية أبداً بشكل رسمي، فإنـه عـرف الـذات بأنهـا: الكـل المـنظم والمتناغم الذي يتكون من الإدراكات التي تميز قولي أنا I أو ضمير المتكلم Me، والقيم التي نلحقها بهذه الإدراكـات ، والعلاقات بين أنا أو ضمير المتكلم ومختلف جوانب الحياة . ومن الواضح أن هذا التعريف يركز عـلى الأصـول الإدراكية للذات: ذات الشخص هي مجموع إدراكاته، والذات مكافئة وظيفياً لمفهـوم الـذات، ويتضـمن مفهـوم الذات كـل التقويمـات الخاصـة بوظائفـه بوصـفه إنسـاناً، والعلاقـات الإنسـانية التـي يسـتخدمها لتنظـيم خبراتـه وتفسيرها


تتلخص التصورات الرئيسة المكونة لنظرية روجرز فيما يلي :
  • 1- الكائن العضوي Organism، وهو الفرد بكليته.
  • 2- المجال الظاهري Phenomenal، وهو مجموع الخبرة.
  • 3- الذات Self وهي الجزء المتمايز من المجال الظاهري، وتتكون من نمط الإدراكات والقيم الشعورية بالنسبة لـ أنا و ضمير المتكلم I or Me 

ولم يركز روجرز على المفاهيم البنائية، وفضَل أن يكرس اهتمامه في تغير الشخصية وتطورهـا، والمفهومـان المركزيان في نظريته أو حجرا الزاوية فيها؛ إذ تعتمد عليهما هذه النظرية بأسرها، وهما : الكائن العضوي، والذات.

و فيما يلي عرض لهما بشيء من التفصيل  :

الكائن العضوي
الكائن العضوي هو منـاط الخـبرات جميعـاً ومصـدرها، وتشـتمل الخـبرة Experience عـلى كـل مـا هو متاح للوعي Awareness الذي يحدث داخل الكائن العضـوي في لحظـة معينـة، وتمثـل هـذه الخـبرة الشاملة المجال الظاهري Phenomenal field، ومجال الظاهرة هو الإطار المرجعي الذي يمكن أن يعرفـه الشخص نفسه فقط، وتعتمد تصرفات الفرد على المجال الظاهري هذا (الواقع الشخصي)، ولا تعتمد على الظروف التي تنبه سلوكه (الواقع الخارجي)، والشخص السليم هو ذلك الشخص المتفتح على الحقائق التي تأتيه عن طريق خبرته الداخلية، والحقائق التي تأتيه بوساطة العالم الخارجي .
 

ويمتلك الكائن العضوي الخصائص الآتية : 
  • (أ) أنه يستجيب للمجال الظاهري بوصفه كلاً منظماً حتـى يشـبع حاجاته
  • (ب) أن له دافعا أساسيا واحداًًً وهو أن يحقق ذاته، وأن يصونها، وأن يعززها 
  • (ج) أنه قد يرمز إلى خبراته بحيث تصبح شعورية، أو قد ينكر عليها الرمز بحيـث تظـل لا شـعورية، أو قـد يتجاهلهـا كليـة .

الـذات :
يتمايز قسم من المجال الظاهري تدريجياً، ويصبح هذا القسـم هـو الـذات Self، وتتصـف الـذات أو مفهـوم الذات بأنها الكل المنظم المتسق الذي يتكون من إدراكات خصائص الذات (أنا I، أو نفسى Me )، وإدراك العلاقـات بين أنا والآخرين ومختلف جوانب الحياة، فضلا عن القيم المرتبطة بهذه الإدراكات، والـذات كـل شـامل يصـل إليه الوعي، ومع ذلك فإنه ليس الوعي بالضرورة، إنها كل مرن ومتغير، إنها عملية Process، ومع ذلك فإنهـا – في لحظة محددة – وحدة معينة .

لقد طور روجرز نظريته من خلال عمله مع الأشخاص المضطربين انفعالياً كما أسـلفنا، وقـد تـأثر بمـا رأى من إمكانية لدى الفرد وميل داخلي إلى التحرك في اتجاه النمو والتطور وكـذلك النضـج والتغـير الإيجـابي، ويفـترض روجرز في علاجه غير الموجه أو المتمركز حول الشخص Person-centered therapy أن كل فرد (إذا أعطِي الظروفَ المواتية) لديه الدافعية والقدرة على التغير، وأننـا أعظـم الخـبراء في أنفسـنا، ويـتلخص دور المعـالج في أن يعمل مثل أداة توجيـه الصـوت في الآلات الموسـيقية، في الوقـت الـذي يستكشـف فيـه الفـرد ويحلـل مشـكلاته، وتختلف هذه الطريقة عن العلاج بالتحليل الـنفسي الـذي يحلـل فيـه المعـالج تـاريخ المـريض لتحديـد المشـكلة، ويصمم خط سير علاجه .

وتتكــون الــذات مــن كــل الأفكــار والإدراكــات والقــيم التــي تميــز أنــا أو الشــخص، كما تتضمن: مـن أنـا؟ مـا الـذي أقـدر عليـه؟ وتـؤثر هـذه الـذات المدركـة بـدورها في كـل من إدراك الشخص للعالم وسلوكه، إن الشخص الذي يمتلك مفهوم ذات Self-concept قويـا وإيجابيـاًً يـرى العـالم بشكل مختلف تماماً عن شخص لديه مفهوم ذات ضعيف، وليس من الضروري أن يعكـس مفهـوم الـذات الواقـع ، فإن الشخص قد يكون ناجحا جداًً ويرى نفسه على أنه فاشل .

وتبعاً لنظرية روجرز فإن الفرد ِّ يقُدر كـل خـبرة في علاقاتهـا بمفهـوم الـذات لديـه، إن النـاس يريـدون أن يتصرفوا بطرق تتسق مع صورة ذواتهم وخبراتهم ومشاعرهم، وتتسبب الخبرات والمشـاعر غـير المتسـقة في تهديـد بالنسبة للشخص، وقد ينكر الشعور الاعتراف بها .

والذات – وهي المفهوم النواة في نظرية روجرز عن الشخصية – لها خصائص عدة منها : 

  • (أ) أنها تنمو من تفاعل الكائن العضوي مع البيئة 
  • (ب) أنها قد تمتص قيم الآخرين وتدركها بطريقة مشوهة 
  • (ج) تنـزع الـذات إلى الاتساق 
  • (د) يسلك الكائن العضوي بأساليب تتسق مع الـذات 
  • (هــ) الخـبرات التـي لا تتسـق مـع الـذات تـدرَكَ بوصفها تهديدات 
  • (و) قد تتغير الذات نتيجة للنضج والتعلم .

وتظهر الذات في حديثنا اليومي في عبارات من مثل : أنا أحب، و السـير تحـت المطـر يجعلنـي أشـعر بالسعادة ، و هذا ما أحبه، والاعتقاد بأهمية الذات أحد العلامات المميـزة لعلـماء الـنفس مـن ذوي التوجـه الإنساني، وتعد خبرة الشخص مع الذات – من وجهـة نظـر روجـرز - جانبـا أساسـياًً في الحيـاة، إنهـا تكـون السلوك، والمعرفة، والمشاعر وتحددها.

والذات الأخرى في نظرية روجرز هي الذات المثالية Ideal-Self، إن كل واحد منـا لديـه فكـرة عـن نـوع الشخص الذي يتمنى أن يكونه، إنها الذات التي يقَُ ِّ درها الفرد حق قدرها، ويرغب في أن يحوزها، والتي يضـع لهـا أعلى قيمة لنفسه ، وكلما اقتربت الذات المثالية من الذات الواقعية أصبح الشخص محققاً ذاته منجزا وسعيداًً، أما المفارقة الكبيرة بين الذات الواقعية والذات المثالية، فيترتب عليها أن يكون الشخص تعسـاً غير راض عن حياته.
 

تطور الذات

يرى روجـرز أن النـاس يميلـون إلى التطـور في اتجـاه إيجـابي، فـما لم يحُْبطَـُوا أو يخُْـذَلوا فـإنهم يحققـون إمكاناتهم، ويمكن تتبع هذه الفكرة إلى الفيلسوف السياسي الفرنسي في القرن الثـامن عشر : جـان جـاك روسـو Rousseau، الذي اعتقد فى الجدارة الفطرية للإنسـان، ورأى روسـو أن المـدارس يجـب أن تشـجع التعبـير عـن النفس أكثر من محاولة فرض النظام على السلوك غير الملائم، وقد اتخذ علماء النفس من أصحاب التوجه الإنسـاني موقفاً مماثلاً، فيري روجرز أن الشخص السليم من الناحية النفسية هو ذلك الشخص الذي يمتلك مفهـوم ذات Self-concept يمكنه أن يتفهم ويتقبل مشاعر وخبرات متعددة فإن الضـبط الـذاتي Self-control الـداخلي أمـر صحي أكثر من الضبط الخارجي القسري

يتعرض الكائن العضوي والذات لتأثيرات قوية من البيئة لاسيما البيئة الاجتماعية، ولم يورد روجرز جـدولاً زمنياً للمراحل المهمة التي يمر بها الفرد من الطفولة إلى النضج، وهذا ما قام بـه معظـم أصـحاب النظريـات التـي تمتد جذورها إلى العمل الإكلينيكي من مثل : فرويد، وسوليفان، وإريكسون، وبدلاً من ذلك فقد ركز روجرز على الطرق التي يقُوم بها الآخرون الشخص، وبخاصة في أثناء .

ويقوم الآباء والأمهات وغيرهم بتقويم سلوك الطفل بصورة مستمرة، ويتم ذلك بشكل إيجابي أحياناً، وسـلبي أحياناً أخرى، ونتيجة لذلك فإن الطفل يتعلم بسرعة أن يميز بين الأفكار والأفعال التي يراها جديرة بـأن يقـوم بهـا أو غير جديرة، ومن ثم فإن الخبرات غير الجديرة تسُتبعد من مفهوم الذات، على الرغم من أنها قد تكـون خـبرات صادقة تماماً وطبيعية، ومثال ذلك أن إنهاء التوتر الفيزيولوجي في المثانة يعد خبرة سارة بالنسبة للطفل، ومع ذلك فإذا لم يتبول الطفل بشكل خاص في المكان المناسب فإن الآباء عادة يدينون هذه النشاطات، ويرون أنها سيئة، وحتى يحتفظ الطفل بمشاعر الوالدين الإيجابية فإنه يجب أن ينكر خبرته الخاصة تلك، وهي أن التبول يتسبب في نوع من الرضا بالنسبة له .

إن مشاعر المنافسة والعدوانية تجاه أخ صغير انتزع مركز الاهتمام تعد مشاعر طبيعية، ولكن الآباء والأمهات لا يوافقون على أن يضرب الأخ أخاه الصغير (أو أخته)، وعادة يعاقبونه إن حدث ذلـك، ويجـب أن يقـيم الأطفـال نوعاً من تكامل هذه الخبرة داخل صورة الذات لديهم، ويقول الأطفال غالباً عبارة من هذه العبارات الثلاث :

  • 1- إنهم سيئون ويجب أن يشعروا بالخجل.
  • 2- قد يقررون أن آباءهم لا يحبونهم ويشعرون برفضهم لهم.
  • 3- قد ينكرون مشاعرهم ويقررون أنهم لا يريدون أن يضربوا الرضيع.

ويتضمن كل اتجاه من هذه الاتجاهات تشويها للحقيقة ،وتعد العبارة الثالثة أسهل الاحـتمالات بالنسـبة إلى الطفل، فيتقبلها، ولكنه عندما ينفذها فإنه إنما ينكر مشاعره الحقيقية، التي تصبح – عندئذ – لا شـعورية، وكلـما وجب على الناس أن ينكروا مشاعرهم الخاصة ويتقبلوا قيم الآخرين فإنهم سيشعرون بالضيق بالنسبة إلى أنفسهم.

ويؤكد روجرز أهمية الاستجابة للطفل باعتبار وتقدير إيجابي غير مشروط، هـذا الاهـتمام والانشـغال بـه هو أفضل بداية بمجرد خروجه من الرحم إلى الحيـاة، ويـوصي روجـرز باسـتخدام أسـلوب ليبـوير Leboyer الآمن والهادئ في ولادة الأطفال (الضوء الخافت، والسـكون، والملاطفـة، والغمـر في مـاء دافـئ )، وذلـك بـدلاً مـن الطريقة التي قـد تلحـق الضرر بالطفـل (ضوضـاء صـاخبة، وأضـواء مزعجـة، وصـفعات)، إن الـدخول إلى الحيـاة الجديدة تدريجياً بلمسة حب واهتمام هو أفضل كثيراً للنمـو الـنفسي للطفـل مـن تعريضـه المفـاجئ لكـل أنـواع المثيرات المفزعة، وإرغامه على الدخول إلى حيـاة جديـدة مخيفـة، فمـن الأفضـل الـتخلص مـن كـل صـور الصراخ والرعب والتعامل العنيف مع الطفل كما في النمط التقليدي.

كما ينصح روجرز بضرورة معاملة الطفل بطريقة ديمقراطية، وبوصفه شخصا مسـتقلاً وجـديراًً بالتقـدير، يحق له تقدير خبرته بطريقته الخاصة، وأن يقوم باختياراته من خلال عمليات تقويم ذاته بوصـفه كائنـا عضـوياًً، والوالدان أيضاً مؤهلان للاحترام، ويجب أن يحصلا على حقوقهما التي لا يمكن تجاهلها مـن قبـل الطفـل .
 

Mohammed
Mohammed