هل ترتبط الذاكرة قصيرة المدى بالذاكرة طويلة المدى

هل ترتبط الذاكرة قصيرة المدى بالذاكرة طويلة المدى






حتى فترة الستينيات من القرن العشرين، لم تكن هناك مناقشة لهذا الأمر بين الباحثين، ربما لأن الذين اهتموا بدراسة الذاكرة قصيرة المدى لم يكن من اهتماماتهم الذاكرة طويلة المدى، كما أن الذين درسوا الذاكرة طويلة المدى، لم تكن الذاكرة قصيرة المدى من اهتماماتهم أيضا. 

في هذه الفترة كانت هناك دراسات على الذاكرة طويلة المدى قام بها العلماء من أمريكا الشمالية، استخدمت فيها القوائم الصماء؛ لكشف العلاقة بين المتغيرات. ولذلك كانت النظريات التي خلصوا إلى صياغتها تخص مفهوم التداعي والتداخل، وكيف يؤثر الثاني على العملية الأولى، وفي نفس الفترة تقريبا كانت دراسات الذاكرة قصيرة المدى على درجة من القوة في بريطانيا. 

لقد كان الباحثون من شمال أمريكا أو من بريطانيا يستهدفون التوصل إلى نماذج تفسيرية، تستخدم المفاهيم التي خلصت إليها الحواسب الآلية، التي كانت تتطور بسرعة مذهلة في تلك الفترة. 

ومن الجدير بالذكر أن تجارب بيترسون وبيترسون وما أسفرت عنه من نتائج تخص النسيان في الذاكرة قصيرة المدى - قد كان لها تأثيرها في لفت الانتباه لدى الفريقين إلى بعض القضايا المشتركة بين الذاكرة قصيرة المدى والذاكرة طويلة المدى؛ مما أدى إلى إثارة السؤال: 

هل من الضروری فرض وجود نظامين مختلفين لهذين النوعين من الذاكرة، أم أن الأمر لا يعدو أن یكون وجود أساسيات واحدة تحكم الذاكرة طويلة المدى وقصيرة المدی؟ 

وللإجابة عن هذه الاستفسارات قام آرثر ميلتون (Arthur Melton) بمحاولات عديدة في هذا الصدد عام 1963. إلا أن هذه القضية مازالت محل مناقشات، حيث إن الأمر على درجة عالية من التعقيد، بحيث لا يسهل البت فيه الآن. فضلا عن هذا، فإن هناك من الباحثين الذين يرون أن هناك أكثر من نظامين للذاكرة؛ فالذاكرة قصيرة المدى ليست نظاما متفردا، بل أكثر من هذا، فهي مجموعة من الأنظمة المتحدة للذاكرة تعمل معا، لكن الأمر مازال بحاجة إلى الكثير من العمل.

غير أن الذين يؤيدون الفصل بين النظامين يعتمدون على عدد من الحقائق نوردها فيما يلي:
👈* أن هناك عددا من المهام الخاصة بالتذكر، يبدو أنها تحدث بطرق مختلفة تماما. وأكثر الأمثلة وضوحا هو نتائج عامل الحداثة، الذي يؤثر كثيرا على نتيجة استدعاء العبارات الأخيرة في الترتيب إذا ما حدث تأجيل في عملية الاستدعاء، بينما لا يؤثر على العبارات الأولى في الترتيب. كما أن الأداء على العبارات الأولى يتعرض التأثير عدد من العوامل، التي من المعروف أنها تؤثر على التعلم طويل المدى، منها معدل عرض المادة؛ حيث يؤدي العرض البطيء إلى أداء أفضل، كذلك مدى الألفة بالمادة؛ حيث إن الألفة بالمادة تؤدي إلى استدعاء أفضل. أما التشتت الذي قد يحدث من عمل شيء آخر قبل الاستدعاء، فقد يؤثر على الأداء بالسلب. هذا فضلا عن بعض المتغيرات الأخرى التي يمكن أن تؤثر على عملية التذكر؛ كالعمر، حيث يتذكر صغار السن بطريقة أفضل من كبار السن.

👈* أما المجموعة الثانية من الحقائق، فتأتي من نتائج الأبحاث على الأفراد ذوي الإصابات المخية، الذين يعانون من مشكلات في الذاكرة غاية في التخصص؛ فالأفراد الذين يعانون من فقدان الذاكرة (amnesic)، يجدون صعوبة كبيرة في تعلم الجديد، وقدرتهم على استدعاء قوائم الكلمات تكون لا نهاية لها، وأداؤهم اليومي في المواقف الحياتية يكون سيئا لدرجة مفزعة، فهم يجدون صعوبة كبيرة في تذكر أين هم، أو تذكر أيام الأسبوع، أو ماذا تناولوا في الإفطار. غير أنهم يمكنهم أن يكشفوا عن التأثر بعامل الحداثة مثلا. أما نوعية أخرى من المرضى فقد يكشفون عن أعراض مختلفة تماما؛ فقد يتحدد مدى الذاكرة لديهم بكلمتين أو ثلاث، وقد يتوقف تأثير عامل الحداثة لديهم على كلمة واحدة أو عبارة واحدة، إلا أنهم قد يكشفون عن قدرة عادية على التعلم.

فهذان النمطان من المصابين بالإصابات المخية قد اختلفت أماكن الإصابات لديهم، فعندما ارتبطت مشكلات الذاكرة قصيرة المدى بالإصابة في الجانب الأيسر من المخ في منطقة قريبة من منطقة الكلام، فقد يكون لديهم مشكلات كلامية. أما فاقدي الذاكرة الذين كشفوا عن نقص في الذاكرة طويلة المدى، فإن الإصابة لديهم تكون في الفص الصدغي من القشرة المخية، وعلى عمق قد يصل إلى قرن أمون .
👈* والمجموعة الثالثة من الحقائق التي يعتمد عليها دعاة القول بضرورة الفصل بين نظامی الذاكرة طويلة المدى وقصيرة المدى، فهي مشتقة من نتائج التجارب التي كشفت عن أن الذاكرة قصيرة المدى تعتمد على صوت الكلمة، أما الذاكرة طويلة المدى فتعتمد على المعنى، إذ إن كونراد Conrad عرض مجموعة من الأفراد لسماع عدد من الحروف، ثم طلب إليهم كتابة ما يتذكرونه مباشرة منها بعد ذلك، حسب ترتيبهم قدر الإمكان. 

ولقد وجد کونراد أن الأخطاء التي حدثت في الذاكرة قصيرة المدى لم تكن أخطاء عشوائية، بل وجد أن الحروف التي تتشابه في النطق من أكثر الأخطاء شيوعا. أما إذا كانت الحروف متباينة في النطق، فإنه يصعب الخطأ فيها؛ ومن ثم خلص من هذه النتائج إلى أن الذاكرة قصيرة المدى تعتمد على شكل من أشكال الرمز الصوتي، أو على الأقل على شكل يقوم أساسا على الكلام Speech based code.

ولقد أراد بادلي أن يختبر ما وصل إليه كونراد، فأجرى تجربته مستبدلا الحروف بكلمات؛ بعضها يتشابه في النطق، وبعضها يختلف. وطلب إلى المبحوثين أن يدونوا ما يتذكرونه من الكلمات بعد سماعها مباشرة، حسب الترتيب الذي عرضت به. وخلص بادلي إلى نتائج مشابهة لما خلص إليه كونراد، ووجد أن الكلمات المتشابهة في نطقها كانت أكثر عرضة للخطأ فيها، أما الكلمات المختلفة، فقد كانت أقل عرضة للخطأ. كما وجد أن التشابه في المعني كان له أقل الأثر على الأداء، ومن ثم قد كان لكونراد الحق في القول إن الذاكرة قصيرة المدى بصفة خاصة ترتبط بشدة بالكلام.

أما عن الذاكرة طويلة المدى، فقد قام بادلي بإجراء التجربة السابقة مع زيادة عدد الكلمات إلى عشر كلمات في الصف الواحد، في قائمة مكونة من خمسة صفوف. وعرضها على المفحوصين بالتوالي، على أن يقاطع المفحوصين بعد نهاية عرض كل صف؛ حتى لا يسمح لهم بالحفظ. وقام بعرض القائمة أربع مرات؛ للتأكد من حدوث التعلم، ثم طلب إليهم استرجاع الكلمات حسب ترتيبها بعد مرور 20 دقيقة على آخر محاولة. في ضوء هذه الظروف، يمكن القول إن تأثير صوت الكلمة قد اختفى، ولقد عبر المبحوثون عن أن أكثر المشكلات في عملية الاسترجاع كانت بين الكلمات متشابهة المعني. وهذا يعني أن الذاكرة طويلة المدى تعتمد على عامل المعنى، وليس على خصائص الصوت. 

وخلاصة هذا الأمر أن الذاكرة قصيرة المدى تعتمد على خصائص الصوت، أما الذاكرة طويلة المدى فتعتمد على المعنى الذي يبقى من المعلومات

في السبعينيات بدأت آراء الباحثين تميل إلى الأخذ بوجود نظامين منفصلين لكل نوع من أنواع الذاكرة. وقد كانت هناك آراء متفرقة ومتباينة حول العلاقة بينهما، أو طبيعة كل منهما، إلا أنهم كانوا يدورون في فلك النموذج الذي قدمه أتكنسون وشیفرین Atkinson and Shifrin، فقد افترض هذا النموذج أن الذاكرة هي ثلاثة أجزاء کبری، وأن الذاكرة طويلة المدى هي النظام الخاص بتخزين المعلومات بعد فترة من الزمن، وتتغذى على ما تمده بها الذاكرة قصيرة المدى، التي تقوم بدور الضبط، وتعتمد على المعلومات الجديدة، وتختار عملیات بعينها لجذب المعلومات من الذاكرة طويلة المدى.

بينما تعتمد الذاكرة قصيرة المدى ذاتها على ما تقدمه لها الذاكرة الحسية، التي هي عبارة عن مجموعة من الذاکرات المرتبطة في الإدراك. هذه التسجيلات تلعب دور النظام، الذي يختار ويجمع المعلومات الحسية، ويمكن النظر إليها باعتبارها مكونا رئيسيا من مكونات الإدراك.

ويمثل مخزن الذاكرة قصيرة المدى قلب النموذج، ومن المهم أن نلاحظ أن هناك فصلا بين الذاكرة قصيرة المدى، التي يعزى إليها أداء الفرد على الأعمال التي تتطلب تذكر قدر قليل من المادة، وبين مخزن الذاكرة قصيرة المدى، وهو من المفاهيم النظرية التي تستخدم لشرح النتائج التي نحصل عليها في تجارب الذاكرة قصيرة المدى. 

فالتجربة التي تحاول أن تسبر غور الذاكرة العاملة، تميل إلى أن تعطي نتائج لا تتأثر فقط بأداء مخزن الذاكرة قصيرة المدى، بل أيضا بالعوامل الأخرى؛ إذ إن حفظ الأرقام من 1 إلى 9، إذا طلب إليك أن تعيد ذكرها فلاشك أن ذلك يسير، وحتى إذا طلب إليك بعد فترة أن تعيد ذكر هذه الأرقام بترتيبها، فلن تكون هناك مشكلة. ويبدو من هذا أن الذاكرة قصيرة المدى تعتمد هنا على مخزن الذاكرة طويلة المدى؛ فالكثير من أعمال الذاكرة قصيرة المدى تتضمن مكونات من الذاكرة طويلة المدى، مما يجعل التفسير النظري أمرا غير سهل.

وعلى الرغم من أن نموذج أتكنسون وشیفرین قد وجد تشجيعا في السبعينيات، إلا أن ظهور نموذج کریك ولوکهارت Craik & Lockhart عام 1972 عن مستويات العمليات (Levels of Processing) قد طغی عليه نسبيا، حيث يوضح نموذج أتكنسون أن الطريقة الوحيدة لتعلم المعلومات الجديدة، هي عن طريق الذاكرة قصيرة المدى وإرسالها إلى الذاكرة طويلة المدى. ومن الأساليب التي درست عبر التجارب على هذا النموذج كانت باستخدام القراءة بالصوت الواضح، حيث يكرر الحرف أو الكلمة مرات ومرات، حيث كان من المعتقد أنه كلما كان حفظ الشيء مدة أطول في الذاكرة قصيرة المدى، كلما كان حفظه في الذاكرة طويلة المدى سهلا. 

وقد واجهت هذه النظرة بعض المشكلات، فقد ثبت من نتائج التجارب على المصابين بإصابات مخية، أنه حيث أظهروا ضعفا شديدا في الذاكرة قصيرة المدى، إلا أنهم کشفوا عن ذاكرة طويلة المدى غير مضطربة. وذلك يعني أن الذاكرة قصيرة المدى ليست الممر الوحيد للذاكرة طويلة المدى، وهو ما مثل نقضا لما مثله نموذج أتكنسون.

كما أن التجارب على الأفراد الأسوياء كانت لها نتائجها التي لابد وأن تؤخذ في الاعتبار في مناقشة نموذج أتكنسون. فقد أجرى کريك و واتكنز Craik & Watkins دراسة لاختبار العلاقة بين طول الفترة التي يتم فيها الاحتفاظ بالمادة في الذاكرة قصيرة المدى، وبين مرورها إلى الذاكرة طويلة المدى. قارنا بين مجموعتين من المبحوثين، عرضت على إحداهما قائمة من الكلمات، ثم طلب منهم الاحتفاظ بها في ذاكرتهم حتى يطلب منهم استدعاؤها. أما المجموعة الثانية فقد عرضت عليها القائمة، وطلب منهم استدعاؤها بعدها مباشرة. وقد كشفت النتائج أن المجموعة التي لم يتم لديها استدعاء القائمة إلا بعد فترة، وجدت صعوبة في تذكر الكلمات، أكثر من التي طلب منها استدعاء القائمة مباشرة بعد العرض، وذلك يعد نقضا ثانيا لنموذج أتكنسون.

أما نموذج کریك ولوکهارت فإنه يطرح فكرة مؤداها
أن الذاكرة قصيرة المدى أو النظام الأولي للذاكرة الذي يمكنه أن يتعامل مع المادة بطرق مختلفة، يبدأ من مجرد أخذ ملاحظات عن الخصائص البصرية للكلمة المطبوعة، ومن خلال الانتباه إلى الصوت المميز لها أو حفظها، تسجلها في ضوء المعنى الذي تعبر عنه. فكل هذه العمليات تؤدي إلى الذاكرة طويلة المدى، كما أن كمية التعلم التي اعتمدت على نمط العمليات، التعامل مع العمليات الأكثر عمقا في ضوء المعنى تؤدي إلى حفظ أكثر من التعامل السطحي.

فالحفظ المستمر قد يؤدي بالمادة لأن تظل بعيدة عن الحصول عليها، وقد لا يؤدي إلى زيادة التعلم طويل المدى. إن النموذج الخاص بمستويات العمليات يعني أساسا بدور تسجيل الخبرة (الترميز) في التعلم ، أي العلاقة بين الطريقة التي يتم التعامل بها مع المادة المتعلمة وبين احتمالية تذكرها.

إن نظرية مستويات العمليات قد تعد أساسا نظريا في الذاكرة طويلة المدى؛ إذ إنها تفترض نظاما للذاكرة قصيرة المدى، أو نظاما أوليا يقوم بعملية الترميز (coding)، غير أنه لم يوضح تفاصيل هذه العملية. فقد ركزت هذه النظرية قليلا على مكونات الذاكرة قصيرة المدى، والنجاح الذي حققته في توضيح العلاقة بين نظام الترميز، وبين الذاكرة طويلة المدى، إلا أنه يؤكد القول بوجود فصل بين الذاكرة قصيرة المدى والذاكرة طويلة المدى. 

وحقيقة الأمر أن العمل الناتج عن نظرية المستويات إنما يسير في اتجاه البحث عن العوامل الحاكمة لعملية الاسترجاع من الذاكرة طويلة المدى. وأصبحت الدراسات عن الذاكرة قصيرة المدى أكثر ارتباطا بمشكلات الانتباه، وبدور الذاكرة قصيرة المدى في الأعمال الأخرى، مثل القراءة، والعمليات الحسابية، الأمر الذي أدى إلى استبدال مفهوم الذاكرة قصيرة المدى بالذاكرة العاملة متعددة المكونات.


Mohammed
Mohammed