التنفس السليم

التنفس السليم




كثيــرٌةٌ هــي الأشــياء والأعمــال والمهمَّــات التــي نقــوم بهــا علــى مــدار اليــوم، وهــي أشــياء تتفــاوت أهمِّيتهــا والعائــد الــذي نحِّقِّقــه مــن خلالهــا، ولكــن إذا أردنــا أن نضع أهمَّ أنشطتنا الحيويَّة نصب أعيننا على الدوام ،فلــن نجــد أهــمَّ مــن التنُّفُّــس، إذ يحتــاج جســدك إلــى ممارســة عمليتــي الشــهيق والزفيــر خمســة وعشــرين ألــف مــرَّة فــي اليــوم الواحــد، وقــد يبــدو الأمــر بديهيــًاً وتلقائيًاً؛ فأجسامنا تفعل ذلك طوال الوقت من دون أدنــى تركيــز مَّنَّــا؛ هــذا صحيــح، ولكــن لســوء الحــظ يبــدو أَّنَّنــا – ولأســباب يصعــب حصرهــا – ضللنــا الطريــق نحــو التنُّفُّــس الصحِّــي الســليم، ولــم نعــد نتنَّفَّــس بالشــكل الصحيــح، وهــو أمــر – لــو تعلمــون – ذو عواقــب صحيَّــة وخيمــة .

تنــاول «جيمــس نســتور» هــذا الموضــوع منــذ سنوات بعد أن عانى مشكلاٍتٍ في الجهاز التنُّفُّسي وبالكاد تعافى من الالتهاب الرئوي، ونصحه الطبيب آنذاك بحضور جلسات تنُّفُّس، وخلال الدقائق العشر الأولى من الجلسة الأولى لم يحدث أيُّ شيء، وشعر «جيمس» بالملل، واعتقد أنَّ الجلوس في غرفة باردة ليتنَّفَّس بطريقة معيَّنة فقط، هو مجرَّد إهدار للوقت والجهد، ولكن بعد عشرين دقيقة، وعلى حين غرَّة ،حدثــت مفاجــأة؛ إذ أخــذ يتعــرَّق بشــدَّة وشــعر بأَّنَّــه أكثــر «خَّفَّــة» بطريقــة لــم يفهمهــا! عــاد إلــى منزلــه، ونــام باسترخاء لم يعهده من قبل، وشعر بأَّنَّه أفضل حالاً لعدَّة أيام متتالية، وعندما سأل الطبيب، لم يكن لديه أدنــى تفســير، ومــن هنــا قــرَّر «جيمــس» أن يحمــل علــى عاتقه مهمَّة البحث عن السبب.

يقــول «جيمــس نســتور» إنَّ الفضــول قــد قــاده إلــى البحث عن إجابة عميقة عن تساؤلاته حول التنُّفُّس ،فبدأ رحلته بالمشاركة في دراسة، تعَّلَّم فيها أن يغلق فتحتــي أنفــه بشــكل كِّلِّــي لمــدَّة عشــرة أيــام بحيــث يتنَّفَّس من خلال الفم فقط، وقد يبدو الأمر بسيطًاً لأنَّ معظمنــا يفعــل هــذا مــن حيــن إلــى آخــر، ولكَّنَّهــا كانــت تجربــة مروِّعــة بحــق! يقــول «جيمــس» إَّنَّــه بعــد ثلاثة أيام فقط من بدء التجربة أخذ يشخر ِلِما لا يقل عن أربع ساعات ليلاً في حين كان الأمر لا يتجاوز بضع دقائــق فيمــا مضــى، وعندمــا كان يتنَّفَّــس مــن فتحتــي الأنف، ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد ارتفعت معدَّلات التوُّتُّر لديه وصار يُعاني انقطاع النَفَس أثناء النــوم، أي كانــت التجربــة مروِّعــة علــى كِّلِّ المســتويات .

عند مشاركة النتائج مع الباحثين، نصحوه بأن يستقطع بعــض الوقــت - مهمــا كان قصيــرًاً- مــن يومــه ليرِّكِّــز فعليّــًاً علــى تنُّفُّســه، وبالفعــل التــزم بذلــك ووجــد أَّنَّــه عندما يأخذ وقتًاً كافيًاً للتنُّفُّس ببطء من أنفه، يشعر باسترخاء أكثر وتوُّتُّر أقل ممَّا كان عليه من قبل، وقد أثبتــت آليَّــة التنُّفُّــس هــذه فاعليَّتهــا فــي تقليــل ارتفــاع ضغط الدم، لذا وعلى الرغم من أَّنَّنا سنظُّلُّ أحياء إذا واصلنــا التنُّفُّــس مــن أفواهنــا، علينــا أن نعــرف جيــدًاً أنَّ هذه ليست الطريقة السليمة للتنُّفُّس، فأجسامنا في أمــسِّ الحاجــة إلــى استنشــاق الهــواء الحقيقــي النقــي من أنوفنا.

التنُّفس الأنفي

عندمــا نتنَّفَّــس مــن خــلال الأنــف، فإَّنَّــه يعمــل بمثابــة مرشِّــح يرِّطِّــب، ويُســِّخِّن أو يبــرِّد الهــواء قبــل أن يســمح بمــروره إلــى الرئــة فيحــول بيننــا وبيــن مــا يقــرب مــن 20 مليار جسمٍ غريٍبٍ في اليوم الواحد، وبمجرَّد أن يجتاز الهــواء الأنــف، يمــرُّ عبــر القصبــة الهوائيــة وصــولاً إلــى الرئتين، وبمجرَّد أن يفعل، يُضخُّ الأكسجين في مجرى الــدم ويبــدأ فــي الــدوران عبــر أجســامنا، وتلــك هــي الطريقة التي يجب أن تسير بها الأمور، ولكن عندما نتنَّفَّــس مــن أفواهنــا فإَّنَّنــا نعرقــل الــدورة الطبيعيَّــة لعمليَّــة التنُّفُّــس برمَِّتِهــا .

فــي كِّلِّ مــرَّة نتنَّفَّــس فيهــا مــن خــلال أفواهنــا فإَّنَّنــا نتنَّفَّس بنسبة 10 إلى 20 في المائة فقط من طاقتنا الكليَّة، وتؤثِّر هذه النسبة الضئيلة سلبًاً في وظائف الجهــاز التنُّفُّســي، مــا يتمَّخَّــض عنــه شــعورنا بالإنهــاك علــى مــدار اليــوم، ويحــدث ذلــك نتيجــة لعــدم حصولنــا على ما يكفي من الأكسجين، وفي الوقت نفسه لا نتخَّلَّص من ثاني أكسيد الكربون بالمعدَّل المطلوب ،ما يعني احتفاظنا بالسموم داخل أجسامنا، ما يجعلنا أكثــر عرضــة للمشــكلات الصحيَّــة مثــل ارتفــاع ضغــط الدم والأرق، كما ثبت أيضًاً أنَّ التنُّفُّس من الفم يزيد احتمــالات الإصابــة بالســرطان لأنَّ الخلايــا المتعِّطِّشــة للأكســجين يمكــن أن تتحــوَّل إلــى خلايــا ســرطانيَّة .

يؤثِّر التنُّفُّس الأنفي إلى حدٍّ كبير في توازننا، فعندما نتنَّفَّــس مــن خــلال فتحــة الأنــف اليمنــى تتســارع دورة الــدم، ونشــعر بالــدفء أكثــر كَّلَّمــا ارتفعــت مســتويات الكورتيزول إلى جانب ضغط الدم، وعندما نتنَّفَّس من خــلال الفتحــة اليســرى، فإَّنَّنــا نســترخي أكثــر وينخفــض ضغــُطُ الــدم ودرجــة حــرارة الجســم بالتدريــج، والمثيــر للدهشــة هــو أنَّ أنوفنــا تحتــوي أنســجة منتصبــة تنبــض مــن تلقــاء نفســها، فهــي تُغلِــُقُ إحــدى فتحتــي الأنــف كي تسمح للأخرى بالتنُّفُّس التلقائي، ثمَّ تغلق الأخرى ليحدث العكس، وهذا ما يحِّقِّق التوازن، ولكن عندما نتنَّفَّــس مــن خــلال أفواهنــا فإَّنَّنــا نحــول دون ذلــك، مــا يترَّتَّــب عليــه مشــكلات كثيــرة.

قــرَّر «جيمــس» أن يواظــب علــى تماريــن التمــدُّد كَّلَّ صبــاح بعــد أن ثبــت أنَّ التمــدُّد والتنُّفُّــس الســليم يؤثِّــران بشــكل كبيــر فــي حجــم وســعة الرئــة، واَّتَّبــع «جيمــس» تقنيــة التمــدُّد القديمــة المعروفــة «بالطقــوس التبتيَّــة الخمســة» نســبة إلــى منطقة التبت، التي قدَّمها «بيتر كيلدر» للمرة الأولى عــام 1930، إذ تعــرَّف «كيلــدر» إلــى هــذه الطقــوس عندما التقى رجلاً عجوزًاً أخبره عن منتجع في جبال الهيمالايــا يتعافــى فيــه المرضــى ويتحــوَّل فيــه الفقــراء إلــى أثريــاء،

فاعتقــد «كيلــدر» أنَّ هــذه مجــرَّد أســطورة ،ولكن بعد أربع سنوات من لقائهما الأول، التقيا مرَّة أخــرى، وبعــد بضعــة أعــوام، نشــر «كيلــدر» كَّلَّ هــذه التقنيات والأساليب في كتاب بعنوان «عين الوحي ،» وكان الســبب فــي تبديــل «كيلــدر» لرأيــه واقتناعــه بادِّعاءات الرجل العجوز ما لاحظه على محيَّاه عندما التقاه بعد أربع سنوات؛ حيث بدا أصغر بعشرين عامًاً ،وتوجَّه «كيلدر» إلى ذلك المنتجع بنفسه وتعَّلَّم كل مــا يفعلونــه هنــاك، فقــد غيَّــرت هــذه التجربــة مجــرى حياتــه ومنحتــه ســنوات أطــول مــن العمــر الســليم .

في عام 2000، برهنت دراسة نشرتها جامعة «باَفَلو »صحَّــة هــذا الــكلام، إذ حَّلَّــل القائمــون علــى الدراســة سعة الرئة لنحو ألف شخص على مدار ثلاثين عامًاً ،وتوصَّلوا إلى النتيجة ذاتها: تزيد سنوات العمر طرديًّاً مــع زيــادة ســعة الرئــة، وقــد يكــون بعضنــا علــى درايــة بهــذه المعلومــة مســبقًاً، ولكــنَّ هنــاك مــن يظُّنُّــون أنَّ ســعة الرئــة ثابتــة وغيــر قابلــة للزيــادة، بعــد البلــوغ أو حَّتَّى منذ الولادة، ومن المتعارف عليه أيضًاً أنَّ السعة تتضاءل تدريجيًّاً بتقدُّم العمر، ما يتسبَّب في مشكلات صحيَّة مثل ارتفاع ضغط الدم وضعف الجهاز المناعي ،وطبقًاً لهذا المفهوم الشائع، فأنت إمَّا أن تكون من المحظوظين أصحاب الرئة الواسعة، وإما أن تكون من غير المحظوظين أصحاب الرئة ذات السعة المحدودة ،وليس هناك ما يمكن أن تفعله حيال ذلك، إلا أنَّ كَّلَّ هذه الافتراضات تجافي الصواب! فالتمارين المنتظمة تزيــد ســعة الرئــة بالتأكيــد، وهــذا مــا يؤِّكِّــده ممارســو رياضــة الغطــس الحــر الذيــن نجحــوا فــي زيــادة ســعة رئاتهم بمقدار 30 إلى 40 في المائة عمَّا كانت عليه ،وذلك فقط من خلال تمارين التدريب المنتظم على التنُّفُّس.

التنُّفــس الســليم يمتعــك بعمــود فقــري مســتقيم

«كاتارينــا شــروت» فتــاة ألمانيَّــة عانــت الجنــف فــي السادســة عشــرة مــن عمرهــا، والجنــف حالــة مرضيــة يعاني فيها المريض من اعوجاج العمود الفقري تجاه أحد جانبي الجسم، وبمرور الوقت يزداد الوضع سوءًاً حَّتَّــى يضطــرَّ المريــض إلــى اســتخدام كرســي متحــرك ،فخطــرت للمريضــة «شــروت» فكــرة تمرينــات التنُّفُّــس لتزيد سعة رئتها وترتاح في حركتها، وكانت المفاجأة أن بدأ عمودها الفقري يميل إلى الاستقامة، وكانت تقف أمام المرآة كَّلَّ يوم وتنحني بجسدها جانبًاً، ثمَّ تستنشق الهواء عبر رئة واحدة، ولا تسمح له بالمرور إلى الأخرى، ثمَّ تحمل جسدها فوق الطاولة وتقوِّس صدرهــا مــرارًاً وتكــرارًاً لإرخــاء القفــص الصــدري أثنــاء التنُّفُّــس .

واظبــت «شــروت» علــى هــذه العــادة لمــدَّة خمــس سنوات، وبدأت تلاحظ أَّنَّها تتعافى فعلاً، وبالتدريج ،ولم تتوَّقَّف «شروت» عند هذا الحد، بل قرَّرت أن تنشر استراتيجية العلاج هذه بين من يعانون مرض الجنف ،وعلى الرغم من أنَّ استراتيجيَّتها قوبلت بالغضب من ِقِبَــل أطبَّــاء كثيريــن بحجَّــة أَّنَّهــا ليســت مُدرِّبــة محترفــة ولا طبيبة مرَّخَّصة، ففي ظِّلِّ عجزهم عن توفير علاج بديــل، توجَّــه 150 شــخصًاً مــن المصابيــن بهــذا المــرض إلى «شروت» وتعافوا بعد مواظبتهم على التدريب الــذي تعَّلَّمــوه منهــا،

وقضــت «شــروت» بعــد ذلــك ستين عامًاً من عمرها في تعليم استراتيجيَّاتها داخل وخــارج ألمانيــا، وقبــل أن تفــارق الحيــاة، تــمَّ الاعتــراف بجهودهــا ونالــت وســام الاســتحقاق الفيدرالــي، وبــدلاً مــن أن تقضــي حياتهــا طريحــة الفــراش علــى أمــل أن تموت وينتهي عذابُها، نعمت «شروت» بحياة طويلة تنَّفَّســت فيهــا بشــكل جيــد حَّتَّــى وافتهــا المنيــة وهــي فــي التســعين مــن عمرهــا.

التنفس البطيء

وفقــًاً «لأولسون»، تحتوي أجسامنا مساحة كافية لاحتجازالأكســجين داخلهــا، وفــي المقابــل لا توجــد مســاحةكافية لاحتجاز ثاني أكسيد الكربون، ولهذا – في حالة التنُّفُّــس الســريع – يترسَّــب ثانــي أكســيد الكربــون فــي رئتنا على هيئة دهون، وقد يكون الجزء التالي مثيرًاً إلى حدٍّ كبير لكِّلِّ من يرغب في فقدان بعض الوزن ،فوفقــًاً لـ«جيمــس»، مــن بيــن كِّلِّ عشــرة أرطــال مــن الدهون تنتج الرئة وحدها نحو ثمانية أرطال ونصف منهــا، وتتأَّلَّــف علــى الأرجــح مــن ثانــي أكســيد الكربــون بشــكل رئيــس إلــى جانــب بخــار المــاء، ومــا يتبَّقَّــى مــن الدهــون يخــرج فــي هيئــة عــرق أو بــول، ولكــن عندمــا نتنَّفَّــس بصــورة بطيئــة فإَّنَّنــا نســمح لثانــي أكســيد الكربــون (الدهــون) بالخــروج مــن الرئــة بشــكل كامــل ،ومــن ثــمَّ نبــدأ بفقــدان الــوزن.

عندمــا نتنَّفَّــس ببــطء، فإَّنَّنــا نتنَّفَّس أقل وبشكل يسمح بمرور مزيد من الأكسجين داخــل خلايــا أجســامنا لأنَّ نســبة ثانــي أكســيد الكربــون تزداد هي الأخرى، ومن ناحية ثانية عندما نتنَّفَّس أكثر فإَّنَّنا نستنشق مزيدًاً من الأكسجين ونطرد مزيدًاً من ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي تقُّلُّ نسبة ثاني أكسيد الكربون لتقَّلَّ معها نسبة الأكسجين بالتبعيَّة، ولهذا -وعلى عكس ما نعتقد- تتدهور حالتنا الصحية نظرًاً إلى انخفاض تدُّفُّق الدم في الأنسجة، وتخبو شعلةُ حيويَّتنا، وقد يصل الأمر عند بعض الناس إلى الشعور بالدوار وتشُّنُّج الجسم!

هــذا يعنــي أنَّ الصحَّــة الســليمة والتنُّفُّــس الســريع لا يلتقيــان، فكَّلَّمــا ازدادت كمِّيــة الأكســجين الــذي تستنشقه من الخارج، قَّلَّت نسبة الأكسجين الموجود فــي الداخــل ، وهــذا مــا أَّكَّــده «يانــدل هندرســون» عالــم وظائــف الأعضــاء الأمريكــي الــذي عمــل مديــرًاً لمختبــر علــم وظائــف الأعضــاء التطبيقــي فــي جامعــة «ييــل» بقولــه إنَّ ثانــي أكســيد الكربــون قد يكون أكثر أهمِّية للجسم من الأكسجين لأنَّ تأثيره يطال كَّلَّ عضو من أعضاء الجسم، ولا يمكننا أن ننفثه كليّــًاً وإلا كَّنَّــا ســنموت لا محالــة!.

الأقل دائمًاً أفضل

لاحــظ الطبيب «كونستانتين بوتيكــو» أنَّ الأشخاص الذين يتنَّفَّسون بمعدَّلات كبيرة ومتسارعة تزيد أوضاعهم سوءًاً مقارنة بالذين يتنَّفَّسون بمعدَّل أقــل، وكان هــو نفســه يعانــي ارتفــاع ضغــط الــدم فــي هــذه الفتــرة، وعندمــا لاحــظ أنَّ أنفاســه متثاقلــة فــي يــوم مــا وبعــد جهــد لا يكاد يُذَكَــر، قــرَّر أن يتعمَّــق فــي تحليل هذه الظاهرة، فسعى «بوتيكو» إلى اكتشاف ما يمكن أن يحدث إذا بدأ في التنُّفُّس أقل، ولم يمر وقــتٌ طويــل قبــل أن يلاحــظ تلاشــي الصــداع وآلام المعــدة، وبمجــرَّد أن أوقــف التجربــة وعــاد للتنُّفُّــس بســرعة، ســرعان مــا عاودتــه هــذه الأوجــاعُ مــرًةً أخــرى .

استنتج «بوتيكو» من هذه التجربة أنَّ التنُّفُّس القوي يؤثِّر سلبًاً في الجسم وقد يتمَّخَّض عن ارتفاع ضغط الــدم . ولهذا طوَّر «بوتيكو» تقنيته التي توصي بأن نتنَّفَّس أقَّلَّ من ستة لترات في الدقيقة الواحــدة لنكــون فــي أفضــل حالاتنــا، وعندمــا نواظــب على ذلك لفترة طويلة، سنلاحظ تلاشي التوُّتُّر وغيرهمن المشكلات الصحيَّة المؤرِّقة .


فكِّــر فــي الأمــر كمــا لــو أَّنَّــك فــي وســط البحــر تحــاول جاهدًاً أن تصل إلى الشاطئ؛ فأمامك طريقتان للقيام بذلــك: فإمَّــا أن تتخــذ ضربــات قصيــرة وســريعة حَّتَّــى تصــل إلــى الشــاطئ، أو ضربــات طويلــة وأقــل عــددًاً ،وفــي كلتــا الحالتيــن قــد تصــل إلــى الشــاطئ، ولكــن إذا اعتمــدت الطريقــة الأولــى فســتتقَّطَّع أنفاسُــك لأَّنَّــك ستضطر إلى بذل جهد أكبر بكثير، أما الطريقة الثانية فســتقودك هــي الأخــرى إلــى هدفــك ولكــن ســتكون أفضــل حــالاً عنــد وصولــك؛ فهــي أكثــر فاعليَّــة وتحتــاج إلــى جهــد أقــل، وبمــا أَّنَّنــا نتنَّفَّــس بمعــدل خمســة وعشرين ألف مرة في اليوم الواحد، فعلينا أن نراعي تمديد وقت الشهيق والزفير، وهو أمر سهل وقابل للتحقيــق، فضــلاً عــن أنَّ مــردوده الإيجابــي ملحــوظ لا ســيما علــى ضغــط الــدم وعلــى حالتــك الذهنيَّــة.


آليَّة «ويم هوف» للتنُّفس

«ويم هوف» فيلسوف هولندي أبهر الجميع بقدرة تحمُّلــه لدرجــات الحــرارة البــاردة والظــروف القاســية ،وطوَّر قدرته هذه من خلال تدريبات مكثَّفة للتحُّكُّم في تنُّفُّسه وضربات قلبه، وترِّكِّز طريقته على تدريب الأشخاص العاديين على التحُّكُّم في أجسامهم بهدف تحقيق نتائج استثنائيَّة، ولوضعها قيد التطبيق :
  1. اجلس في مكان هادئ، واستلقِ على الأرض وضع وسادة تسند رأســك .
  2. ثــمَّ اســترخ، وخــذ نفســًاً عميقــًاً وأخرجــه بســرعة.
  3. كــرِّر ذلــك ثلاثيــن مــرة ..
  4. وفــي المــرة الثلاثيــن لا تنفــث الهــواء كَّلَّــه مــرة واحــدة وإَّنَّمــا احتفــظ بربعــه أو بأيِّ جزء منه داخل رئتيك لأطول فترة ممكنة ..
  5. وبمجرد أن تشــعر أَّنَّــه لــم يعــد بإمكانــك الاســتمرار فــي حبــس الهــواء أكثــر مــن ذلــك، خــذ نفســًاً عميقــًاً آخــر واحبســه لمــدَّة خمــس عشــرة ثانيــة حــاول خلالهــا تحريــك الهــواء عبــر جســمك بالكامــل، ثــمَّ انفثــه وابــدأ بالتنُّفُّــس بقــوَّة مرة أخرى .

سيكون الأمر مرهقًاً في البداية، وهو بالفعل كذلك ،ولكن من المهمِّ تكرار هذا النمط التنُّفُّسي ثلاث أو أربــع مــرات أســبوعيًاً.

تكمــن فكــرة هــذا التدريــب فــي إضفــاء المرونــة علــى جســمك، وبمــا أَّنَّــك تفعــل ذلــك بشــكلٍ واعٍ، فسيتعَّلَّم جسدك أَّنَّك المتحِّكِّم في زمام الأمور .. ووفقًاً لـ«هوف»، تعِّزِّز هذه الطريقة جهازك المناعي ،وُتُحسِّــن حالتــك الذهنيَّــة، وتشــحذ طاقتــك وعزيمتــك ،وتحسِّــن نمــط نومــك، وتحميــك مــن التوُّتُّــر والاكتئــاب .

Mohammed
Mohammed