ماذا يقصد باليقظة العقلية ؟

ماذا يقصد باليقظة العقلية ؟




مفهوم اليقظة العقلية

تعرف اليقظة الذهنية أو العقلية Mindfulness بأنها البقاء عن قصد في الحاضر، وتتضمن جانبين، وهما: الوعي، والانتباه، حيث يمدنا الوعي بالمسح العام والرصد المستمر للخبرة، ويزيد الإحساس بالخبرة وتعميق التركيز عليها، أما الانتباه فيزيد التركيز عن قصد في اللحظة الحاضرة، ودون إصدار أحكام على الخبرات أو الانفعالات أو الأفكار

ويعرفها بيير وزملائها، بأنها "قدرة الفرد على المراقبة المستمرة للخبرات، والتركيز على الخبرات الحاضرة أكثر من الانشغال بالخبرات الماضية أو الأحداث المستقبلية، وتقبل الخبرات والتسامح معها، ومواجهة الأحداث بالكامل كما هي في الواقع، وبدون إصدار أحكام تقييمية عليها"

وعرفها كتلر ايضا بأنها طريقة في التفكير تركز على الانتباه إلى بيئة الفرد، وأحاسيسه الداخلية، دون إصدار أحكام سلبية أو إيجابية، وأن الفرد عندما يمتنع عن إصدار حكم على الخبرة بأنها جيدة أو سيئة؛ فإنه يمكنه أن يعرضها بشكل واقعي، وتحقيق استجابة تكيفية

وأشارت دونا نیكاندر إلى أن اليقظة العقلية يمكن تعريفها بأنها "عبارة عن مهارات ما وراء الإدراك، التي تنطوي على كل من الاهتمام والتنظيم الذاتي، فهي إدراك الفرد بأن يصبح هو المراقب الداخلي لذاته وليس الحاكم أو الناقد لها".

من هذه التعريفات يمكن ملاحظة أن معظمها يؤكد على أن اليقظة العقلية تتحقق بتوافر حالتين عقليتين، هما: الوعي، والقبول. فالوعي يتحقق بأن يكون إدراك وانتباه الفرد حاضرا في اللحظة الراهنة، ولما يحصل فيها من ظواهر وأحداث، سواء كانت داخلية كالأفكار والمشاعر والأحاسيس الجسمية، أو خارجية کالأحداث والأصوات والروائح وغيرها، ويرافق هذا الحضور حالة من القبول للأحداث، وما تثيره من أفكار ومشاعر من دون إصدار تقييمات أو أحكام عليها.

ويشير براون إلى أن تعريف اليقظة العقلية يتم عادة بشكل انتقائي، وفقا لمن يدرسها، والغرض من دراسته لها وكيفية تطبيقها، وبالتالي فقد تناول بعض الباحثين مفهوم اليقظة العقلية على اعتبار أنها حالة، فعلى سبيل المثال ينظر بیشوب وزملاؤه إلى اليقظة الذهنية على أنها حالة من الوعي في الوقت الحاضر، تكون ناتجة عن ممارسة تطبيقات وتمارين التأمل اليقظ، بينما يتناولها آخرون بالبحث على اعتبار أنها سمة فطرية متأصلة في الأفراد الذين يتمتعون باليقظة العقلية، وبالتالي فهي مستقرة نسبية.


أصول اليقظة العقلية

يرجع الفضل في نقل ممارسات اليقظة العقلية من الشرق إلى الغرب، وتقديمها في سياق علمي تجريبي بشكل خاص، إلى جهود العالم النفسي جون كابات زين Jon Kabat-Zinn، والذي قدم اليقظة العقلية لأول مرة كممارسة علاجية نفسية عام 1979م، وذلك عندما صمم برنامجه العلاجي "الحد من الإجهاد القائم على اليقظة العقلية" "Mindfulness-Based Stress Reduction" في المركز الطبي بجامعة ماساتشوستس الأمريكية، وكان البرنامج يقدم لمدة ثمانية أسابيع، ويستهدف تخفيف الضغط والإجهاد عن الأفراد الذين يعانون من أمراض مزمنة

وقد استلهم كابات زین برنامجه بشكل أساسي من التعاليم الشرقية البوذية وممارساتها، والتي كان ملما بها، وقد كانت أول خبراته مع هذه الثقافة عندما كان طالبا، وقدم المبشر البوذي فيليب كابليو Philip Kapleau للتحدث في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث كان يدرس، ليتعلم تقنيات التأمل على يديه لاحقا، كما أنه درس على يد عدد من المعلمين البوذيين البارزين في ذلك الوقت مثل ثك ناهات هانا Thich Nhat Hanh، وسوينقسان Seungsahn، ثم التحق بجمعية ( Insight Meditation Society (IMS لينتهي به الأمر بالتدريس فيها .

ووفقا لأقوال کابات زين فإن التدخل باليقظة العقلية يعد أسلوب يختلف بشكل جذري عن التقنيات والأساليب المستخدمة في العلاج والإرشاد النفسي الغربي الشائعة في ذلك الوقت، حيث تركز تلك الأنواع من العلاجات على تخفيف المعاناة النفسية، بينما تؤدي اليقظة العقلية إلى حل المعاناة النفسية، وتحقيق الشعور بالسعادة والرفاهية، كما أشار إلى أن دمج اليقظة العقلية في العلاج النفسي يعد نقلة نوعية في المجال العلاجي، لكونه أدى إلى انتقال التركيز التقليدي في العلاج من تغيير الأفكار السلبية ومحتواها، إلى التركيز على زيادة الوعي لدى المريض حول كيفية ارتباطه بأفكاره ومشاعره على الدوام، بدلا من استخدامها كتقنية علاجية فقط كما في العلاج السلوكي المعرفي الكلاسيكي .

ومن هنا ظهر خط جديد في العلاج النفسي، أطلق علية نماذج العلاجات المبنية على اليقظة العقلية Mindfulness-Based Therapy، ونتج عنه ظهور تشكيلة واسعة من الأساليب والبرامج التي بنيت عليه، مثل العلاج ما وراء المعرفي Metacognitive Therapy، والعلاجات المبنية على القبول Acceptance-Based Therapies، ويصف البعض هذه الحركة بأنها الموجة الثالثة من العلاج المعرفي السلوكي Cognitive Behavioral Therapy .

وقد أكدت الدراسات التجريبية فعالية هذا النوع من التدخلات العلاجية، التي تقوم على اليقظة العقلية، حيث سجلت انخفاضا في حدة مجموعة واسعة من الأعراض لدى عدد من العينات المرضية، وعدد كبير من الاضطرابات النفسية .

وبعد جهود کابات زین، برز الاهتمام باليقظة العقلية في مجال علم الأعصاب والممارسات الطبية السريرية على يد الطبيب النفسي دانیال سیجل Daniel Siegel، والذي اعتقد أن مفهوم اليقظة العقلية يمكن إخضاعه للاختبار وتحديد خصائصه من الناحية العلمية والتجريبية، وأن التأمل بهدف تنمية اليقظة العقلية تعد ممارسة يجب اختبار وشرح تأثيراتها ووظائفها من وجهة نظر عصبية .

وقد تزايد الاهتمام بمفهوم اليقظة العقلية في أواخر التسعينات من القرن الماضي، وتزايد تناولها في البحوث العلمية والممارسات الإكلينيكية في العقدين الأخيرين، فوفقا لما نشرته مجلة اليقظة العقلية، فإن الأبحاث المنشورة في اليقظة العقلية قد تزايدت من دراسة واحدة عام 1982م إلى 667 دراسة بنهاية عام 2016. ولم تقتصر هذه البحوث على تخصص واحد، بل تعددت المجالات والحقول التي اهتمت بدراسة اليقظة، ابتداء من علم النفس السريري والصحي وعلم الأعصاب، وانتهاء بالبحوث التربوية والإدارية والقانونية .

وفي المملكة المتحدة، تبنى مركز الخدمة الصحية الوطني National Health Service العلاج المعرفي القائم على اليقظة العقلية كنوع من العلاجات الأساسية، التي تقدم للأفراد الذين يعانون من اضطراب الاكتئاب المزمن، كما أن معهد الصحة الوطنية الأمريكي NIH، قد مول وحده في خمس سنوات أكثر من 150 مشروعة بحثية في اليقظة العقلية، وهذا الاهتمام الضخم الذي نما مؤخرا لا يقتصر على المملكة المتحدة والولايات المتحدة، بل يشمل كل أنحاء العالم .


انتهى


Mohammed
Mohammed