مربع البحث

كيف اكتسب المرونة الشخصية ؟

كيف اكتسب المرونة الشخصية ؟




تتمتع أجسادنا بهالة من الحماية الوقائية تكفل لنا إدراك السعادة وشحذ الإمكانات وتمتين الهبات وتحقيق النجاحات الشخصية والمهنية بشكل استثنائي. هذه الهالة هي ما نسميه أحيانا المرونة الشخصية - أو ما يمكن أن نشبهه بالدروع النفسية التي تحمينا وتعمل كخطوط دفاع عنا. لقد صممت هذه الدروع لحمايتنا في الملمات ولمساعدتنا على الوقوف في وجه الشدائد. 


فكم من الرياضيين ورجال الأعمال والطلاب والفنانين امتلكوا هبات استثنائية ومهارات عالية، ومع ذلك لم يحققوا النجاح المقدر لهم، والذي كان في متناولهم. وكم من الأشخاص الذين يحول خوفهم من الفشل، أو إصابتهم بالإنهاك، أو مجرد توترهم عند التعرض للضغوط من دون تحقيق أهدافهم، في المقابل نسمع الكثير عن أشخاص نهضوا بعد السقوط، وخرجوا من قلب الصعاب وحولوا المحن إلى فرص فاقت كل التوقعات. فهؤلاء يواجهون التحديات، ويصرون على إدراك غاياتهم مهما تكالبت عليهم الضغوط، لينتزعوا النصر في نهاية المطاف.



مقومات المرونة الشخصية

يشترك الناجحون في خمسة مقومات جوهرية تمدهم بالمرونة الشخصية، وكما تحمي الدروع الواقية من الجروح والإصابات الجسدية، كذلك تحمينا المرونة من الأذى النفسي والجروح العاطفية والانفعالية.


أولا: التفاؤل 

التفاؤل هو الميل إلى الاستجابة والتفاعل مع الأمور والمواقف بمنظور مفعم بالأمل. وينقسم التفاؤل إلى نوعين: أحدهما سلبي والآخر إيجابي. يكتفي المنتمون إلى النوع الأول بالتمني والرجاء على أمل أن تتغير الأحوال – فجأة إلى الأفضل، وهؤلاء هم من يسلمون زمام أمورهم إلى أشخاص أو إلى الظروف المحيطة بهم. أما من يتمتعون بالتفاؤل الإيجابي فإنهم ينتهجون - وليس فقط يتمنون - الطرق والسلوكيات التي تقربهم من غايتهم وتؤهلهم لإحداث التغيير في حياتهم، بشكل واقعي وملموس.


المتفائلون والإيجابيون لا يخشون الأزمات، بل يفتشون عنها ويستثمرونها في تغيير الأمور إلى الأفضل


التفاؤل الإيجابي

خوض التجارب الناجحة وتذوق طعم النجاح هو خير وسيلة الاكتساب صفة التفاؤل الإيجابي، فالنجاح يولد النجاح، وكلما ازداد رصيدنا من التجارب الموفقة زادت خبرتنا في ما يتطلبه تحقيق النجاح، الأمر الذي يؤدي بنا إلى نجاحات أكثر ويضاعف نزعتنا إلى توقع النجاح في كل تجربة جديدة. كلما ترخ إيمانك بقدرتك على تحقيق هدف ما، تضاعفت احتمالات تحقيقه وكان النجاح حليفك. والعكس صحيح أيضا: فالتنبؤ المبكر بالفشل في مهمة ما يجعلك توظف أقل قدر ممكن من الجهد، والحماس، والإصرار، وبالتالي تؤهل نفسك لتقبل الرفض والفشل، بل وسترى العالم مكانا موحشا وملغوما بالإخفاقات، الأمر الذي ينعكس سلبا على حالتك النفسية والجسدية.

آليات تعزيز التفاؤل الإيجابي 

يمكن اكتساب الإيمان المتفائل بقدرتنا على تنفيذ الخطوات اللازمة لتحقيق الأهداف المنشودة والضرورية من خلال أربعة أنماط للتعلم:
  • 1. الإنجاز الشخصي: يكون لتحقيق إنجازا ما، أيا كان، أكبر الأثر في بناء تفاؤلك الإيجابي، فالنجاح مهما كان ضئيلا في بدايته يعزز اعتدادك بذاتك ويقاوم مشاعر الفشل والعجز التي تتملكك، وبمرور الوقت تتحول النجاحات الصغيرة إلى إنجازات عظيمة. 
  • 2. الملاحظة : راقب الآخرين وهم يحققون إنجازات تتمنى أنت أن تحققها، فمن شأن هذا أن يحفزك ويدفعك إلى المضي قدما، فإن كان ذاك الإنسان قد استطاع أن يفعل ذلك، فلماذا لا تستطيع أنت؟! 
  • 3. التشجيع والدعم: إن كنت محاطة بمجموعة من الأصدقاء المخلصين والأقارب الداعمين والقادة المحترفين الناصحين، فأنت من المحظوظين. تقبل دعمهم وأنصت الأرائهم كي تعز ثقتك بذاتك وكذلك تفاؤلك. 
  • 4. التحكم في الذات: يتحسن التفاؤل الإيجابي مع كل تقدم تحرزه على صعيد التحكم في النفس: أي الاحتفاظ برزانتك ورباطة جأشك في وجه الشدائد، والتفكير على نحو إيجابي، وتأجيل إشباع رغباتك، والتحكم في النزعات المتهورة.

حجم الأزمة التي تتعرض لها ليس هو المهم وإنما درجة المرونة الشخصية التي تتمتع بها

ثانيا : السلوكيات الحاسمة 

عندما تتخذ قرارا حاسما بأن تكون فائزا ومنتصرة، وليس ناجيا فحسب، وفي خضم معارك الحياة المحتدمة تكون قد وضعت قدميك على بداية طريق التميز. قد يرى البعض أن السلوكيات والقرارات الحاسمة مع تحمل توابعها فضيلة بديهية ومسلم بها. فما هو السبب؟


تمتاز السلوكيات الحاسمة بقدرتها على :
تخفيف وطأة المحن 
لا تؤتي الفرض ثمارها لمن لا يسعون وراءها، بل لمن يغتنمونها ويحولونها إلى واقع ملموس، فالمبادرة بإجراء فحوص طبية سنوية قرار حيوي ينعكس صداه على أكثر من صعيد، إذ يقلل التشخيص المبكر لكثير من الحالات المرضية من احتمالات تفاقمها وما يصاحب ذلك من تكاليف مالية باهظة، وفي حال اكتشاف أحد الأمراض الخطيرة، تضاعف القرارات الحاسمة والتدخل السريع احتمالات نجاة المريض - أي إنها تكون مسألة حياة أو موت بالمعنى الحرفي. أما في بيئة العمل، فتخولك القرارات الحاسمة كسب ميزات تنافسية والسبق إلى ابتكار علامات ومشروعات جديدة، بدلا من محاكاة المنافسين وتقليد الأخرين. فالقرارات الحاسمة وتحمل المسؤولية يخففان أيضا من الآثار السلبية لتقدم العمر.

تعزيز القدرة على النهوض من جديد 
لا يساعد الجسم على تخفيف الضغوط ومواجهة الأزمات فحسب، وإنما على النهوض من جديد أيضا. فلا شك أن مشاعر الاكتئاب والإصابة بالإحباط واليأس يمكن أن تنتج عن المرور بمحن وظروف قاسية. ولكن ذلك لا يحدث إلا إذا أفسحنا لها الطريق وسمحنا لها بالتحكم في قراراتنا وتقويض قدرتنا على استثمار إيجابيتنا في التكيف والمرونة. وهذا يعني أن القرارات السريعة والحاسمة تساهم في تقليص حجم التوتر النابع من الأزمات، وتحفيزنا على المثابرة وإعادة الكرة. وتعتبر مساعدة نفسك - أو الآخرين - لتحقيق أمر ما من أهم الاستراتيجيات التي أثبتت فاعليتها في دحر مشاعر العجز والشلل النفسي الناتجين عن الفشل.

مضاعفة النمو 
يتطلب تحمل مسؤولية قراراتك وأفعالك شجاعة تفوق شجاعتك لتكون حاسما، فالإنسان بطبعه يهاب الفشل ويراه عيبا يشوب شخصيته، بلا نتيجة محتملة لبعض محاولاته، وبالتالي تجده يتخذ من الأشخاص والظروف - أو حتى من حظه العاثر- ذريعة لتبرير محاولاته الفاشلة. أي إنه يتنصل من المسؤولية غير مدرك لمنافع تقبل الهزيمة من تعزيز الثقة بالنفس، وتجديد الطاقة، والدفع للأمام وتطوير الإمكانات تجنبا لتكرار الأخطاء. أما من يتحمل مسؤولية أخطائه فإنه يزيد من رصيد تجاربه التي تمكنه من الاحتفاء بنجاحاته وإعادة استثمارها لاحقا.

التغلب على العقبات 
الاعتراف بالمشكلة هو أولى خطوات الوصول إلى الحل. ومن هذا المنطلق فإن التعرف على الحواجز التي تحول بينك وبين أن تكون حاسما وجديرة بتحمل المسؤولية يؤهلك لاجتيازها.


ثالثا : البوصلة الأخلاقية 

تتكون البوصلة الأخلاقية للمرونة من أربعة عناصر، وهي: الأمانة، والنزاهة، والإخلاص، والسلوك المتحضر. تساعدنا هذه العناصر مجتمعة في توجيه حياتنا أو دفة سفينتنا نحو شواطئ الفضيلة مهما كانت الرحلة طويلة والأمواج عاتية.

  • الأمانة : الأمانة هي تحري الصدق والصراحة والبعد عن الغش والخداع. أما التضليل - وهو النقيض المباشر للأمانة – فينبع من الاستعجال أو الاندفاع، أو الطمع، ويلجأ معظم الناس إليه للخروج من المواقف المربكة، وذلك لافتقارهم إلى المرونة اللازمة للتعاطي مع مثل هذه المواقف. 
  • النزاهة : تعتمد النزاهة على جدارة الفرد بالثقة ومدى تمسكه بمبادئه، وتستمد قوتها من الأمانة. وهي رمز للشفافية، والصدق المطلق، والاستقامة غير المشروطة. 
  • الإخلاص: يستمد الإخلاص قوته أيضا من الأمانة، ويشير إلى التفاني في العمل والتمسك بنقاء سريرتنا، وتوجهنا الأخلاقي الدائم، حتى وإن غابت عنا أعين الناس، أو عملنا في بيئات عمل مغرية وفاسدة.
  • السلوك المتحضر : وهو السلوك الذي يتسق مع القيم النبيلة كالعدل والصدق وتحري الصواب وتجنب الوقوع في الخطأ، فهو بمثابة بؤرة تركيز العناصر البوصلة الثلاثة. ونشير هنا إلى ضرورة أن يتوج السلوك المتحضر العناصر الثلاثة الأخرى كي تؤدي دورها كدروع وحماية نفسية تعمل على الدوام، وعلى أكمل وجه.

البوصلة الأخلاقية كوقاية نفسية

عندما تنعكس الأمانة والنزاهة والإخلاص والفضيلة على سلوكيات الآخرين فإنها تخلق مناخا تنافسية، إذ يشكل هؤلاء المتحضرون الملتزمون نماذج حسنة يقتدي بها ويصبو إليها الجميع. ونظرة إلى سهولة توقع ردود أفعال وسلوكات هؤلاء الأفراد، فإن هذا الوضع يولد الشعور بالأمان الذي يولد بدوره الثقة، والثقة هي النبع الذي يتدفق منه التزام القادة، والمجتمعات، والمنظمات، والأمم. أما الخداع والازدواجية والتضليل والتعتيم، فهي تشبه الصخور التي تتحطم عليها الثقة وتقوض الفاعلية المؤسية، والمجتمعية، والإنسانية. وفي مثل هذه البيئة المنفرة يتبنى الأفراد توجه عدائيا يدفعهم للتكتم على أفكارهم وحماية إنجازاتهم بدلا من التفكير خارج الصندوق والمبادرة والأداء بشكل جماعي يحقق لمؤسساتهم المجتمعاتهم المرونة والنجاح المستدام.



رابعا : المثابرة 

المثابرة في أبسط صورها هي الإصرار على انتهاج مسار معين أو ملاحقة هدف ما بغض النظر عن الصعوبات والضغوط ومشاعر الإحباط.

المثابرة الجامحة والمرونة الناجحة 

يرى الأشخاص الذين يتسمون بالمرونة أن الفشل ليس أحد خياراتهم. فعندما تخبر بعض الأشخاص أنهم غير قادرين على النجاح في أمر ما (سواء على المستوى الشخصي أو المهني) سرعان ما تخبو شعلة حماسهم وتتبدد قواهم. في حين أن هناك من يزدادون إصرارا وعنادا وتمسكة بغايتهم إذا ما سمعوا العبارة ذاتها - وهذه هي المثابرة الجامحة في أبهى صورها، فتثبيط الهمم أمر وارد، ولكن ردود أفعالك تجاهها هي ما تشكل فارق.

تجنب التمادي في الخطأ  : تكون المثابرة غير مجدية عندما تنبع من الشعور بالإكراه على تنفيذ هدف ما، لا من شغف أصيل ورغبة شخصية لتحقيقه، أو عندما تكون مواردك وطاقاتك مكرسة في الاتجاه الخطأ، فتتحول المثابرة إلى مجرد وسيلة للدفاع عن النفس وفرض وجهة النظر، فتتمخض الجهود المبذولة عن مشکلات تفوق حجم الإنجازات المتحققة.

خامسا : التلاحم والتآزر الجمعي 

يشير التلاحم الجمعي إلى نزعة أعضاء مجموعة ما إلى الاندماج مع غيرهم من أعضاء الفريق أو أبناء المجتمع بهدف تبادل القيم وتوفير الدعم في أوقات المحن. يعتبر دعم الأشخاص بعضهم لبعض خير مؤشر للمرونة الشخصية، فأن تلتف حولك مجموعة من الأشخاص الداعمين والمحفزين هو كل ما يهم سواء كنت تستعيد قواك بعد فشل ذريع أو تحاول أن تتجنب الوقوع فيه - نفسيا أو عاطفيا.

التلاحم بين المجموعات - وما يترتب عليه من تبادل للقيم، والميول، والطباع، وتعزيز المبادئ الإيثار، وتقديم الدعم المادي والمعنوي - يعتبر من أهم مقومات المرونة وأكثرها تأثيرا، فهو كالحصن المنيع الذي يحول بيننا وبين التهديدات الخارجية والمعوقات الداخلية النابعة من التوتر أو الإجهاد أو الأفكار السلبية والمفاهيم الشخصية المغلوطة.


ابتعد عمن يستنزفون طاقتك ليس من الضروري أن يكون الجميع مصدرا للعون في كل الأوقات، لا سيما حين مواجهة الأزمات، فبعض الأشخاص يبرعون في اختلاق المشكلات لأنفسهم وللآخرين، ويبثون سمومهم فيمن حولهم ويستنزفون طاقاتهم الإيجابية ليستبدلوا بها أخرى سلبية. ورغم أن الأقوياء والناجحين يميلون بطبعهم إلى التفكير الإيجابي في معظم المواقف، إلا أن الحكمة تقضي بأن نتجنب الشخصيات التالية:
  1. الشخصية المحبطة : يتعايش هذا النمط من الشخصيات مع قدر هائل من التعاسة يجعله يود أن يتقاسمه مع من حوله، وبالتالي فهو يتبنى سلوكا متراخيا يحول دون تحقيق أي إنجاز – سواء من جانبه أو من جانبك وذلك لاختلاق الأعذار وتبرير الفشل. 
  2. الشخصية النرجسية: يظن أصحاب هذا النمط أن العالم يدور في فلكهم وحدهم، وبالتالي قلما يقدمون لك أي نوع من الدعم إلا إذا انطوى على مصلحة شخصية مباشرة لهم. 
  3. شخصية الفراشة الاجتماعية : وهم الذين يقيسون قيمتهم بعدد الأشخاص المحيطين بهم، والذين يمكنهم الاستغناء عنهم. ولا يكترث هؤلاء سوى بعدد العلاقات التي تربطهم بمن حولهم، حتى وإن كانت علاقات سطحية، فالمهم أن يكونوا هم في مركز الاهتمام
  4. الشخصية المتطفلة : وهؤلاء لا يعترفون بالحدود الشخصية، ويتوقعون أن تعطيهم بلا مقابل، ولا يجدون حرجا في مطالبتك بذلك بشكل مباشر.
  5. الشخصية القاحلة : يتسم هؤلاء بالصلابة والجمود والتسلط والنزوع القهر الآخرين. وهم ينفرون من طلب المساعدة فضلا عن تقديمها. فإذا واجهتك مشكلة ما، فأنت بالنسبة إليهم - بالتأكيد تستحقها وعليك أن تتعامل معها بمفردك؛ فعليك أن تحصد ما زرعت يداك
  6. الشخصية المزدوجة : وهي شخصية أقرب ما تكون إلى الحرباء التي يتغير لونها في كل وقت وحين، وبالتالي قلما ترى وجه صاحبها الحقيقي، والذي لن يقدم على مساعدتك إلا إذا كان سيستفيد أكثر منك بكثير.


انتهى
تعليقات
ليست هناك تعليقات

    اطلع على مقالات موقع المرجع في جوجل نيوز

    يمكنك الحصول على مقالات موقع المرجع من هنا

    اضغط هنا



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -