مربع البحث

استراتيجيات لتنمية عقل الطفل المتكامل

استراتيجيات لتنمية عقل الطفل المتكامل




مقدمة

تتشكل عقولنا من خبراتنا وتجاربنا، وحتى حين يتقدم بنا العمر، فإن خبراتنا وتجاربنا تغير فعليا من التكوين الحيوي والمادي لعقولنا، فعندما نمر بتجربة ما، تنشط خلايانا العصبية ويتفاعل بعضها مع بعض، لتنشئ روابط جديدة فيما بينها، وبمرور الوقت تؤدي الروابط الناتجة عن هذا التفاعل إلى «أساليب جديدة للاتصال» داخل العقل، وهذا يعني أننا لسنا أسرى طيلة حياتنا للآلية التي تعمل بها عقولنا في الوقت الحالي، فباستطاعتنا فعلا أن ننشئ أساليب اتصال جديدة كي نصبح أكثر صحة وسعادة، وهذا الأمر لا ينطبق على الأطفال والمراهقين فحسب، بل ينطبق على كل منا خلال فترات حياتنا أيضا.


ينقسم عقلك إلى نصفين، وهذان النصفان ليسا منفصلين تشريحيا فحسب، ولكن كل منهما أيضا يعمل بشكل مختلف تماما عن الآخر، فالنصف الأيسر يحب النظام ويصبو إليه، فهو مخ منطقي، وحرفي، ولغوي، أي أنه يهوی الكلمات، كما أنه خطي، بمعنى أنه ينظر إلى الأمور بشكل نظامي أو نسقي أو تسلسلي

أما النصف الأيمن فهو كلي وغير لفظي، فهو يرسل ويستقبل إشارات تسمح لنا بالتواصل، كتعبيرات الوجه، والاتصال البصري، ونبرة الصوت، ووضعية الجسد، والإيماءات، وبدلا من الاهتمام بالتفاصيل والنظام، يهتم النصف الأيمن بالصورة الكاملة، أي التجربة والإحساس الناتج عنها ، وهو متخصص في التخيل والمشاعر والذكريات الشخصية. 


ويتكون العقل من هذين الجانبين أو النصفين لسبب حيوي، فبما أن لكل جانب منهما مهامه المتخصصة، يمكننا أن نحقق قدرة أكبر من الأهداف المعقدة ونؤدي المهام الصعبة، فإذا دانت السيادة للنصف الأيمن، وتجاهلنا المنطق المرتبط بالنصف الأيسر من عقولنا، فسوف نغرق في التخيلات، والأحاسيس الجسدية، وستشعر بما يشبه الفيضان أو التدفق العاطفي، ولكننا بالمقابل لن نكون راغبين أو قادرين على استخدام النصف الأيسر من عقولنا، كي لا نفصل المنطق واللغة عن مشاعرنا وخبراتنا الشخصية، وسيبدو الأمر حينها وكأننا نعيش في صحراء جدباء وقاحلة تخلو من العواطف والمشاعر الإنسانية، ولكننا نريد لأطفالنا أن يكونوا متكاملين عقليا، كي يتسنى للنصف الأيسر من عقولهم أن يعمل بكفاءة مع المشاعر المرتبطة بالنصف الأيمن.


استراتيجيات لتنمية عقل الطفل المتكامل

1 - التواصل العاطفي وإعادة التوجيه 

حين يكون طفلك منزعجا، تواصل معه عاطفيا أولا، وهنا يكون الاتصال بين النصف الأيمن لعقلك والنصف الأيمن لعقله، وبمجرد أن تشعر بأنه صار تحت السيطرة وانفتحت لديه قنوات الاستقبال، عليك باستحضار الدروس التربوية من نصف عقلك الأيسر. اجذب النصف الأيمن من عقل طفلك بإدراكك وتفهمك لمشاعره. استخدم الإشارات غير اللفظية كاللمس، وتعبيرات الوجه المتعاطفة، ونبرة الصوت الحنونة، والاستماع إليه دون انتقاد. بمعنى أنك ستستخدم نصف عقلك الأيمن لتتواصل مع نصف عقله الأيمن، ومن شأن هذا الانسجام الذي يحدث بينكما أن يساعد عقله على الاتزان، والوصول إلى حالة أكثر تكاملا، على أن تبدأ بعد ذلك في مخاطبة الجانب الأيسر من عقل الطفل ومعالجة المشكلات التي تسبب فيها.


2 - مساعدة الطفل على إدراك مشاعره وترويضها

حين تتزايد مشاعر النصف الأيمن من العقل، فإنها تحتدم وتتصاعد حتى تخرج عن السيطرة. ساعد أطفالك كي يبوحوا بما يزعجهم، حتى يساعدهم نصف عقلهم الأيسر على استيعاب التجربة التي مروا بها، ولكي يشعروا بأنهم يسيطرون على الوضع بشكل أفضل. هناك أوقات لا يرغب خلالها أبناؤنا في التحدث عما يزعجهم حين نسألهم، وحينها علينا أن نحترم رغباتهم بشأن الوقت والأسلوب المناسبين للتعبير عما يزعجهم، لا سيما أن الضغط عليهم يأتي بنتائج عكسية، وبدلا من ذلك يمكننا تشجيعهم بأن نمهد لهم بالمقدمات ونطلب منهم أن يمدونا بالتفاصيل، فإن لم يحظ الأمر باهتمامهم، يمكننا أن نترك لهم مساحة وهامشا من الحرية للتحدث لاحقا.


سلم العقل

تخيل أن عقلك منزل ذو طابقين؛ الطابق الأول يتضمن جذع المخ ومنطقة الجهاز الحوفي، والتي تقع في الأجزاء السفلية من الملح، بداية من أعلى الرقبة ووصولا إلى الجزء العلوي من عظمة الأنف تقريبا. يتحدث العلماء عن هذه المناطق باعتبارها أكثر بدائية لأنها مسؤولة عن المهام الرئيسة كالتنفس ووميض العين، وردود الأفعال الفطرية كالمناورة والإقدام والإحجام، والمشاعر القوية كالغضب والخوف، فالأمر أشبه بالطابق السفلي من أحد المنازل حيث يقضي أفراد الأسرة معظم احتياجاتهم الأساسية، وحيث ستجد دائما مطبخ، وغرفة لتناول الطعام، واستقبال الضيوف، وما إلى ذلك. 


أما الطابق العلوي فيختلف تماما، فهو يتألف من قشرة الدماغ وأجزائها المتنوعة، وبخاصة تلك التي تقع خلف الجبهة، والتي تتضمن ما يسمى قشرة الفص الجبهي الوسطى، أو (الناصية). وعلى العكس نصف العقل السفلي والبدائي، فإن النصف العلوي أكثر تقدما وتطورا، وبإمكانه أن يمنحك منظورا شاملا حول عالمك، فهو يشبه غرفة مكتب ذات أنوار ساطعة في الطابق الثاني من المنزل، أو مكتبة ذات نوافذ مفتوحة تتيح لك رؤية الأشياء بوضوح أكثر. هذا هو المكان الذي يشهد العمليات العقلية الأكثر تعقيدا كالتفكير، والتصور، والتخطيط. وحيث إن الطابق السفلي من العقل بدائي، فإن الطابق العلوي شديد التعقيد، إذ إنه يتحكم في بعض عمليات التفكير التحليلي الأكثر أهمية، ولأنه معقد، فهو المسؤول عن تشكيل السمات الإيجابية والتنفيذية التي نأمل أن نراها لدى أطفالنا مثل:

  • صنع القرار السليم.
  • التخطيط.
  • التحكم في المشاعر والجسد .
  • الوعي وفهم الذات.
  • التعاطف مع الآخرين. 
  • احترام القيم والأخلاق.


يكون العقل في أفضل حالاته حين يتكامل النصف العلوي مع النصف السفلي، وفي حين أن النصف السفلي ينمو بشكل كامل منذ أن يولد الإنسان، فإن النصف العلوي لا ينمو بشكل كامل حتى يصل الإنسان إلى منتصف العشرينيات، فهذا الجزء من أكثر أجزاء العقل تأخر في النمو، ويبقى تحت البناء والتطور خلال السنوات الأولى من حياتنا، ثم يخضع في فترة المراهقة لعملية إعادة تشكيل مكثفة تستمر إلى أن نصل إلى سن النضج.

3 - محاورة الطفل وعدم المبالغة في الغضب 

في المواقف التي تنطوي على كثير من الضغوط، استعن بالنصف العلوي من عقل الطفل بدلا من حث النصف السفلي. لا تفرض عليه أوامرك، بل وجه إليه الأسئلة، واطلب منه البدائل، وتفاوض معه.

4 - تشغيل نصف العقل العلوي 

قدم لطفلك المزيد من الفرص لتدريب النصف العلوي من العقل. مارس معه لعبة «ماذا ستفعل لو...؟» وتجنب أن تساعده في كل صغيرة وكبيرة، وأن تنقذه دائما باتخاذ القرارات الصعبة نيابة عنه.



صنع القرار السليم
عندما تضع العديد من البدائل المتنافسة والمتماثلة بعين الاعتبار، وتوضح نتائج تلك الخيارات، فإنك تمنح الطفل الفرصة لتدريب الجزء العلوي من العقل، ثم تعزيزه والسماح له بالعمل بشكل أفضل. يعتبر المصروف وسيلة رائعة لمنح الأطفال الأكبر سنا الخبرة في التعامل مع المشكلات الصعبة، فالخبرة التي يكتسبونها من خلال قيامهم بالاختيار بين شراء لعبة إلكترونية الآن، أو الاستمرار في الادخار لشراء دراجة جديدة بعد شهرين، هي وسيلة قوية لتدريب النصف الأعلى من العقل. والمقصود هو أن تدع أطفالك يصارعون القرارات ويتأقلمون مع تبعاتها.

- التحكم في المشاعر والجسد
علمهم كيف يأخذون نفسا عميقا أو يعدون من واحد إلى عشرة. ساعدهم على التعبير عن مشاعرهم. اتركهم يضربون الأرض بأقدامهم أو يلكموا إحدى الوسادات. يمكنك أيضا أن تخبرهم عما يحدث داخل عقولهم حين يشعرون بأنهم يفقدون السيطرة على أنفسهم، وتعلمهم كيف يتجنبون الاستشاط غضبا بشكل مفاجئ.

- الوعي وفهم الذات
من أفضل السبل لتعزيز فهم الذات لدى أطفالنا توجيه أسئلة من شأنها أن تساعدهم على النظر إلى الجوانب الأعمق مما يفهمونه: لماذا تعتقد أنك اتخذت هذا القرار؟ لماذا شعرت بهذا؟ وحين يصبح طفلك في سن مناسبة للكتابة أو حتى الرسم، قدم له دفتر يوميات وشجعه على الكتابة أو الرسم بشكل يومي.

- التعاطف مع الآخرين
حين تطرح على أطفالك أسئلة بسيطة تحث على مراعاة مشاعر الغير، فإنك تنمي قدرتهم على الشعور بالتعاطف مع الآخرين، فيمكنك أن تسألهم في أثناء وجودك معهم في أحد المطاعم سؤالا كالتالي: «عن رأيك، لماذا يبكي هذا الطفل؟»، وخلال الوقت الذي تقضونه في القراءة معا، يمكنك أن توجه إليهم أسئلة مثل: «ما شعور أختك في رأيك بعد أن انتقلت صديقتها الحميمة مع أهلها إلى مدينة أخرى؟»..

- الأخلاق
قدم لهم مواقف افتراضية كالتي يحبها معظم الأطفال. على سبيل المثال: هل ستكون الأمور على ما يرام إذا كسرنا الإشارة الحمراء في حالات الطوارئ؟»، أو «إذا افتعل أحد التلاميذ الشرسين مشاجرة مع أحد زملائه داخل المدرسة ولم يكن هناك أي شخص بالغ حولكم، فماذا ستفعل؟». الفكرة هنا هي تحدي أطفالك ليفكروا في سلوكياتهم، ويدرسوا آثار قراراتهم، وحين تفعل ذلك فإنك تكون قد منحتهم فرصة التفكير العملي وفقا للمبادئ الأخلاقية، والتي ستصبح مع إرشادك وتوجيهك، الطريقة التي يتخذون بها قراراتهم طيلة حياتهم.

5 - تحريك الجسد 

حين يفقد طفلك اتصاله بالنصف العلوي من عقله، ساعده على استعادة توازنه بتشجيعه على تحريك جسده، فقد أظهرت الأبحاث أننا حين نغير حالتنا الجسدية، من خلال الحركة أو الاسترخاء، يمكننا حينها أن نستبدل مشاعرنا ونغير حالتنا العاطفية.

تكامل الذاكرة 
من أفضل السبل لمساعدة الطفل على التعامل مع التجارب الصعبة فهم بعض الأساسيات حول الطريقة التي تعمل بها الذاكرة بالفعل، وفي المواقف العلمية. تسمى الذاكرة التي تمكنك من فعل شيء كنت قد مارسته من قبل من دون أن تلاحظ أنك تتذكره «الذاكرة الضمنية». 

أما قدرتك على تذكر أنك تعلمت هذا الشيء، أو تذكر أي لحظة محددة أخرى، فهي «الذاكرة الصريحة»، وحين نتحدث عن الذاكرة فإننا نقصد الذاكرة الصريحة، أي التذكر الواعي للتجارب السابقة.

نحن نشفر الذاكرة الضمنية طيلة حياتنا، وخلال الثمانية عشر شهرة الأولى من حياتنا، فإننا نشفر ذاكرتنا ضمنيا فحسب، فالذاكرة الضمنية تشفر تصوراتنا ومشاعرنا وسلوكياتنا التي نكتسبها عاما بعد آخر، كتعلم الزحف والمشي وقيادة الدراجة، والجانب الذي ينبغي فهمه بشأن الذاكرة الضمنية، وبخاصة حين يتعلق الأمر بأطفالنا ومخاوفهم وإحباطاتهم، هو أنها تدفعنا إلى تكوين توقعات حول الآلية التي يعمل بها العالم، استنادا إلى تجاربنا السابقة. 

الخلايا العصبية التي تتفاعل معا يتصل بعضها مع بعض، أو بعبارة أخرى: كل تجربة جديدة تتسبب في تفاعل خلايا عصبية بعينها، وحين تتفاعل تلك الخلايا، فإنها تصل أو ترتبط بخلايا عصبية أخرى تتفاعل في الوقت نفسه، ولذلك فإننا نكون نماذج عقلية محددة استنادا إلى ما حدث في الماضي، فإذا كنت تحتضن طفلك مساء كل يوم حين تعود من العمل، فسوف يكون نموذجا داخل عقله يتمحور حول أن عودتك إلى المنزل ستكون زاخرة بالمشاعر والاتصال العاطفي، وهذا لأن الذاكرة الضمنية تخلق «الاستعداد»، حيث يعد العقل نفسه للاستجابة بأسلوب محدد.
 
وهناك نموذج أكثر تطرفا لهذه العملية يحدث في حالة الإصابة بالصدمة النفسية، حيث تصبح الذكرى الضمنية لإحدى التجارب المزعجة مشفرة داخل عقل الشخص الذي تعرض لها، فيوقظها صوت أو صورة من دون حتى أن يلاحظ هذا الشخص أنها إحدى ذكرياته، فالمشكلة في الذاكرة الضمنية، وبخاصة تلك التي تتعلق بالتجارب المؤلمة والسلبية، أننا حين لا تكون على دراية بالأمر، قد تصبح تلك الذاكرة كالأرض الوعرة أو الشائكة التي قد توقعنا في شراكها، أو تقيدنا بأساليب وسلاسل خطيرة ومرهقة في بعض الأحيان. 

ما يعنيه هذا لنا كآباء أنه حين يبدو أن أطفالنا يصدرون ردود أفعال غير منطقية وغير معتادة، فعلينا أن نضع في اعتبارنا احتمال أن هناك ذکری ضمنية قد خلقت لديهم نموذجا عقليا محددا، وعلينا تقع مسؤولية مساعدتهم على استكشافه.


تكامل الذاكرة الصريحة والذاكرة الضمنية
يتذكر العقل كثيرا من الأحداث سواء أكنا على وعي بها أم لا، ولذلك حين نخوض تجارب صعبة أيا كانت، بداية من الكاحل الملتوي ووصولا إلى وفاة شخص عزيز، فإن تلك اللحظات المؤلة تُضمن داخل العقل وتبدأ بالتأثير فينا، ورغم أننا لسنا على دراية بأصولها في الماضي، فإن الذاكرة الضمنية تستطيع رغم ذلك أن تخلق لدينا الخوف والتجنب والحزن وغيرها من المشاعر والأحاسيس الجسدية المؤلمة، مما يفسر السبب في أن تصدر عن الكبار والصغار ردود أفعال قوية تجاه بعض المواقف دون أن يعوا أسباب انزعاجهم الشديد منها، وما لم يستوعب الأطفال أسباب ذكرياتهم المؤلمة، فقد يتعرضون لاضطرابات النوم، وحالات القلق، وغيرها من المشكلات النفسية.

فكيف نساعد أطفالنا حين يعانون من آثار تجارب الماضي السلبية؟ لا سبيل أمامنا سوى أن نضيء مشاعر ومشاعل الوعي بأسباب تلك الذكريات الضمنية، فتجعلها ذكريات صريحة كي يستطيع أطفالنا إدراكها ثم التعامل معها بقوة وأسلوب قصدي وكأنهم يقررون تلقائيا الصمود والتصدي لحالات الضعف والخوف والارتباك، بوعي وشجاعة.

6 - التحكم في العقل عن بعد 

حين لا يريد الطفل التحدث عن موقف مؤلم، قدم له جهاز تشغيل الأسطوانات الداخلي الموجود في عقله، والذي يأتي مصحوبا بجهاز تحكم عن بعد يسمح للطفل بإعادة تشغيل تجربة ما داخل عقله. جهاز التحكم هذا يتيح له التوقف والتأخير والتقديم عندما يروي قصة ما، كي يظل متحكما في الكم الذي يريد الاطلاع عليه منها.

7 - تدريب الذاكرة 

ساعد أطفالك على تدريب ذاكرتهم بأن تتيح لهم المزيد من الممارسة العملية فيما يتعلق بتذكر الأحداث المهمة، على أن يحدث ذلك في السيارة، وعلى مائدة الطعام، وفي أثناء المشي، وفي أي مكان.

تكامل أجزاء الذات المتعددة 
يتمحور أبسط معاني مفهوم «مرآة العقل» الذي ابتكره وشرحه الدكتور «دانیال سيجل» حول أمرين: فهمك لعقلك، وفهمك لعقول الآخرين. لكي تفهم عقلك، فقد ابتكر «سيجل» نموذج عجلة الوعي، والمفهوم الرئيس هنا هو أنه يمكننا أن نتخيل عقولنا كعجلة دراجة يتوسطها محور، ولها قضبان تمتد باتجاه حافتها الخارجية التي تعبر عما يمكننا أن نهتم به أو ندركه كأفكارنا، ومشاعرنا، وأحلامنا، ورغباتنا، وذكرياتنا، وتصوراتنا للعالم الخارجي، وأحاسيسنا الجسدية والحسية. 
أما المحور فهو المكان الداخلي أو الباطني للعقل الذي يعتبر مسؤولا عن إدراكنا لكل ما يحدث حولنا وداخلنا، وهو يتكون في الأساس من قشرة فص الجبهة أو الناصية التي تساعدنا على تحقيق التكامل على مستوى العقل بأكمله. ووعينا وإدراكنا يكمنان في هذا المحور، ومن خلالهما نستطيع التركيز على النقاط المتنوعة لحافة عجلتنا الخارجية.

 
التمييز بين الشعور المؤقت والشعور العام
في بعض الأحيان، تنتج معاناة الأطفال عن «تعثرهم في طرف الحافة» أي عجلة الإدراك، فبدلا من أن يدرك الطفل عالمه من خلال محوره ويحقق التكامل بين نقاط حافته المتعددة، فإنه يوجه كل اهتمامه نحو نقاط قليلة ومحددة من الحافة، مما يخلق لديه حالة عقلية قلقة وحرجة. 
يسفر هذا عن عدم قدرته على التمييز بين «مشاعره المؤقتة» و«حالته الشعورية العامة»، فحين يمر الأطفال بحالة عقلية محددة، كالشعور بالإحباط أو الوحدة، فقد يغريهم أن يصفوا أنفسهم استنادا إلى تلك التجربة المؤقتة مقارنة بإدراكهم أن هذه - ببساطة - هي مشاعرهم في هذه اللحظة، وبدلا من أن يقول الطفل «أشعر الآن بالوحدة»، أو «أشعر الآن بأنني حزين»، فإنه يقول: «أنا وحيد»، أو «أنا حزين». 
ويكمن الخطر هنا أننا ننظر إلى هذه الحالة العقلية المؤقتة على أنها جزء دائم من الذات، ومن هنا تصبح هذه الحالة سمة تحدد ماهية الطفل.



8 - ترك سحب المشاعر تمضي 

من المهم أن يتعلم الأطفال ماهية مشاعرهم ويستوعبوها ، ولكن من الضروري أيضا النظر إلى المشاعر على حقيقتها، باعتبارها مؤقتة ومتغيرة، أي مجرد حالات وليست سمات ثابتة. نحن بحاجة إلى مساعدة الأطفال على إدراك أن سحب مشاعرهم ستمضي، بل يجب أن تمضي، وأن هذا هو ما سيحدث بالفعل، فهم لن يستمروا في الشعور بالحزن أو الألم أو الوحدة إلى الأبد.

9 - إمعان النظر في الأحاسيس والتصورات والأفكار

 من أفضل السبل لتوجيه الأطفال إلى ما يحدث في الهامش، أو في إطار حافاتهم حسب تصوير (سيجل)، تدريبهم على إمعان النظر في كل تخيلاتهم ومشاعرهم وأفكارهم التي تؤثر فيهم، فانتباههم إلى أحاسيسهم الجسدية، يجعلهم أكثر وعيا بما يحدث في نفوسهم وداخل أجسادهم، ويمكنهم أن يتعلموا تمييز انقباضات المعدة باعتبارها علامات للقلق، والرغبة في الضرب كمؤشر على الإحباط والغضب، والأكتاف المتراخية كدليل على الحزن، وهكذا. 

يجب أن ندرب أبناءنا على تأمل وفهم التصورات التي تؤثر في الطريقة التي ينظرون بها إلى العالم ويتفاعلون بها معه، وأن نعلمهم أن يمعنوا النظر في المشاعر والانفعالات التي يعيشونها. اسأل أطفالك عما يشعرون به، وساعدهم على أن يكونوا محددين، كي ينتقلوا من الوصف الغامض لمشاعرهم بكلمات وعبارات مثل «أنا بحالة جيدة»، أو «لست على ما يرام»، إلى كلمات وعبارات واضحة ومحددة مثل «أشعر بالإحباط»، أو «أشعر بالغيرة»، أو «أشعر بالحماس». 

عند إمعان النظر، تعبر الأفكار بشكل أكبر عن النصف الأيسر من العقل، فهي ما يجول في عقولنا، وما نخبر به أنفسنا، وهي الكيفية التي نروي بها قصة حياتنا باستخدام الكلمات، ويمكن تعليم الأطفال الانتباه إلى الأفكار التي تدور في عقولهم واستيعاب أنهم ليسوا مضطرين إلى الخضوع لها جميعا، لأنه يمكنهم أن يناقشوا الأفكار التي لا تساعدهم والأفكار غير الصحية، وحتى الأفكار الصحيحة.

10 - استخدم مرآة العقل 

حين يركز الأطفال بشكل دائم على مجموعة ثابتة من النقاط في عجلة وعيهم، فمن الضروري أن نمد لهم يد العون كي يبدلوا مجال تركيزهم، ويصبحوا أكثر تكاملا، فمن خلال ممارسات مرآة العقل، يتعلم الأطفال تهدئة أنفسهم وتركيز انتباههم على الوجهة التي يريدونها. ومن أفضل الأدوات التي يمكن أن تمنحها لأطفالك حين يشعرون بالخوف، أو يشعرون بأنهم غير قادرين على الاستغراق في النوم، أن تعلمهم كيف يتخيلون مكانا يشعرون فيه بالهدوء والطمأنينة.


تحقيق التكامل بين الذات ( أنا ) والآخرين (نحن) 
أنت تعرف أن الأطفال بحاجة إلى قدر كبير من المساعدة كي يستوعبوا معنى أن يصبحوا جزءا من «الجماعة»، ويستطيعوا التكامل مع الآخرين، أي تعليمهم كيف ينتقلون من «أنا» إلى «نحن»، في مجتمعنا الحديث دائم التغير، ومساعدتهم على التكيف مع العالم في المستقبل. 

والآن، سننتقل إلى التركيز على الجانب الثاني من مرآة العقل، أي تطوير قدراتنا على استيعاب عقول الآخرين والاتصال بها، وهذا الاتصال يعتمد على تعاطفنا معهم، بإدراك مشاعرهم ورغباتهم ووجهات نظرهم.

العقل كائن اجتماعي متكامل 
العقل عضو اجتماعي، خلق لتكوين علاقات، فهو مصمم لاستقبال الإشارات من البيئة الاجتماعية المحيطة، والتي تؤثر في عالمه الداخلي. بعبارة أخرى: ما يحدث بين العقول له علاقة كبيرة بما يحدث داخل عقل كل فرد على حدة. 
ولتوضيح الأمر بطريقة أخرى، فإن العقل الإنساني قد أعد لتحقيق التكامل مع الآخرين، فمثلما أن أجزاءه المتعددة صممت لتعمل معا، فكل عقل على حدة صمم للاتصال بعقل كل من نتواصل معه. التكامل مع الآخرين يعني احترام الاختلافات ومراعاتها عند تكويننا وصقلنا للروابط التي تصل بيننا وبينهم، فرغم أننا نريد مساعدة أطفالنا على تحقيق التكامل بين النصفين الأيمن والأيسر من عقولهم، وبين النصفين الأعلى والأسفل من عقولهم، وبين الذاكرتين الضمنية والصريحة، فإننا بحاجة أيضا إلى مساعدتهم على استيعاب مدى اتصالهم بعائلاتهم، وأصدقائهم، وزملائهم، وكل أفراد مجتمعاتهم.

مساعدة الأطفال على استقبال العلاقات الإنسانية 
لكي نعد أطفالنا للمشاركة في بناء العلاقات الإنسانية، يجب أن نغرس فيهم حالة من الجاهزية والاستقبالية بدلا من الحالة المنغلقة. هناك تدريب يمكننا أن نمرن عليه الآباء والأمهات؛ نخبرهم أننا سنكرر على مسامعهم بعض الكلمات عدة مرات، ثم نطلب منهم أن يلاحظوا وقع كل كلمة عليهم. الكلمة الأولى هي «لا»، التي نكررها بحزم وبشيء من الشدة سبع مرات، تفصل بين كل منها ثانيتان تقريبا، وبعد أن نتوقف عن الكلام، نكرر بوضوح وبأسلوب لطيف كلمة «نعم» سبع مرات أخرى، ثم نسأل هؤلاء الخاضعين للتجربة عن مشاعرهم وهم يستقبلون كلماتنا.
سيخبرنا المتطوعون أن كلمة «لا» أثارت لديهم الشعور بالكبت والغضب، وكأننا كنا نقيدهم أو نعنفهم، وعلى النقيض فإن كلمة «نعم» جعلتهم يشعرون بالهدوء والطمأنينة والسلام. ردا الفعل المختلفان هنا، أي المشاعر التي تترتب على كلمة «لا» وتلك التي تترتب على كلمة «نعم»، يوضحان ما نعنيه حين نتحدث عن الفرق بين التفاعل وبين الاستقبال، فحين يكون الجهاز العصبي في حالة تفاعلية، فإن رد الفعل يتخذ أسلوب الكر والفر، والأخذ والرد، الذي يجعل الاتصال بالآخرين بأسلوب منفتح ومتعاطف وإيجابي شبه مستحيل.



تنبع ردود الفعل التفاعلية من نصف المخ الأسفل، وتخلف لدينا شعور بالانغلاق والاضطراب وكأننا في حالة دفاعية. أما الحالة الاستقبالية فإنها تفعل لدينا نظام التواصل والتكامل الاجتماعي، الذي يضم مكونات تقدمية وراقية تنتمي إلى النصف الناضج من العقل، وتجعلنا نتصل وترتبط بالآخرين، فتطلق في داخلنا الإحساس بالسلام والأمان، فنشعر فورا بأننا مرئيون ومسموعون ومقبولون. هل تذكرون لقاء البطل والبطلة في الفيلم العالمي «أفاتار»؟ قالت له: «إنني أراك»، ولم تكن تعني أنها تشاهده فقط، بل إنها تعترف بوجوده وتقبله وترحب به، فالرؤية هنا تعني ترك مساحة، واعترافا وتقديرا، وحبا أيضا. 

عند مساعدتنا للأطفال على استقبال الآخرين والترحيب بهم، علينا أن نتذكر أهمية الحفاظ على هويتهم الفردية أيضا، فلكي يصبح الفرد جزءا من «الجماعة» الفعالة، يجب أن يظل «شخص» متفردا. فكما أننا لا نريد لأطفالنا أن يكونوا يمينيي العقل فحسب أو يساري العقل فحسب، فنحن لا نريد لهم أيضا أن يكونوا فرديين فحسب فيصبحوا أنانيين ومنعزلين، أو اجتماعيين فحسب فيصبحوا معوزين ومتواكلين يعتمدون كلية على الآخرين. نريدهم أن يكونوا ذوي عقول متكاملة ليستمتعوا بعلاقات إيجابية متكاملة.

 

11 - المرح العائلي 

اجعل المرح جزءا من حياة عائلتك كي يستمتع أطفالك بتجارب إيجابية ومبهجة مع أفراد العائلة، ومع كل من يقضون معهم جل يومهم وحياتهم.

12 - الاتصال عبر الصراع 

بدلا من أن تنظر إلى حالات الصراع كعقبات أو مشكلات يجب تجنبها، انظر إليها باعتبارها فرصة تُعلم من خلالها أطفالك المهارات الأساسية للعلاقات الإنسانية، كاستيعاب منظور الآخرين، وفهم الإشارات غير اللفظية، وإنماء مراكز تحمل الضغوط على شخصياتهم، وتحسينات سلوكياتهم، وتدريبهم على مواجهة تحدياتهم، والتصرف في المواقف الحرجة التي لا بد فيها من وقفات صارمة تكون مدروسة ومنتقاة بإيجابية قوية.


هم ناضجون لأنك تراهم كذلك : رغم كل التحديات والظروف العصيبة التي ستختبرها مع أطفالك وأنت تطبق استراتيجية النضج المتكامل، فحتى الأخطاء الأبوية التي ترتكبها يمكن أن تتحول إلى فرص تساعدهم على النمو والتعلم والتطور، كي يصبحوا أشخاصا سعداء وأصحاء ومستقلين، فبدلا من تجاهل مشاعرهم ومعاناتهم، يمكنك أن تعزز تكاملهم العقلي، فتشاركهم مواجهة التحديات، فتكون بوجودك إلى جانبهم قد عززت الصلة الأبوية التي تربطك بهم، وساعدتهم على الشعور والتأكد من أنهم مرئيون ومسموعون و محبوبون، لأنهم ناضجون.


تعليقات
ليست هناك تعليقات

    اطلع على مقالات موقع المرجع في جوجل نيوز

    يمكنك الحصول على مقالات موقع المرجع من هنا

    اضغط هنا



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -