ظاهرة الديجا فو Deja vu وفجوات الذاكرة

ظاهرة الديجا فو Deja vu وفجوات الذاكرة




ديقا فو Deja Vu أو ديجا ف و كلمة فرنسية تعني" شوهد من قبل"، في إشارة إلى ظاهرة أطلق عليها هذا الاسم من قبل العالم إيميل بويرك في كتابه (مستقبل علم النفس). 


ويقسمها بعض علماء النفس إلى ثلاثة أنواع: 

  1. déja vécu تم رؤيته سابقا
  2. deja senti تم الشعور به سابقا
  3. deja visité تم زيارته سابقا


وديجا فو هي الشعور الذي يشعر به الفرد بأنه رأى أو عاش الموقف الحاضر من قبل. يلازم هذه الظاهرة شعور بالمعرفة المسبقة وشعور بالرهبة والغرابة، أو ما سماه عالم النفس فروید بالأمر الخارق للطبيعة (كما ورد في كتابه الأحلام). والتجربة السابقة التي يهيأ لنا بأننا عشناها قبلا عادة ما تكون قد زارتنا في أحد أحلامنا، ولكن في بعض الحالات ثبت أن ما نشعر به فعلا كان موقفا سابقا وحقيقة وقعت في الماضي والآن عاد.


وكلنا لنا ذكريات سابقة حدثت بالفعل نتذكرها من وقت إلى آخر، ولكن العقل يكون قادرا على زرع بعض الذكريات الزائفة، والسبب في ذلك كما ذكر العلماء يرجع إلى أن العقل يعمل على أن يكون محيطا وملما بكل ما يحدث حوله من أحداث وتغيرات، وهذا ما يصعب حدوثه، الأمر الذي يؤدي إلى وجود بعض الثغرات Gaps في الذاكرة، لذلك يقوم العقل بطبع بعض الأحداث الزائفة في الذاكرة ليتعامل مع تلك الثغرات، وهذا نوع من إعادة تشكيل الوعي الخارجي بالظواهر المحيطة لخلق نوع من التكيف الذاتي مع الواقع بكل تفاصيله..


وهي آلية دفاعية خاصة يتميز بها عقل الإنسان عن غيره من المخلوقات. وجزء من تذكر المعجم الذهني يدخل في هذا الميكانيزم: ملء فجوات مدلول المفردات لتكون لها دلالة على شيء في الواقع، أعني الرمز أو الدال والمدلول وفق مفهوم دي سوسير اللغة ووظيفتها التواصلية. 


ونعطي هنا مثالا واحدا قام الباحث عبد الرحمن محمد طعمة بتجربته سريعا: سأل بعض المفحوصين من دارسي العربية الناطقين بغيرها أن يعطونا إشارة ما بالضغط بالزر على الكمبيوتر لتوضيح أن الكلمة التي يسمعونها مألوفة ضمن حقل دلالي معين، واختار حقل الجذر المعجمي (ك / ت / ب )، ثم قام بتلاوة مشتقات الجذر: كتب / كتب/ مكتبة / کتاب / مكتب / كتابة ... إلخ وكل مرة كان المفحوص يضغط الزر في الزمن نفسه تقريبا، لأن الكلمة مألوفة داخل الحقل المعجمي في ذهنه، ثم أضاف كلمة: كتيبة، ففوجئ بزيادة الزمن الذي يستغرقه المفحوص للضغط بأن الكلمة مألوفة، ومنهم من لم يضغط أصلا على الزر، رغم أن الكلمة تنتمي معجميا للحقل نفسه، فاستنتج الباحث من هذه التجربة البسيطة أن ترتيب المعجم الذهني ليس مثل الترتيب الورقي العادي أو الصوتي، بل إنه ترتیب دلالي يتحدد وفق حقول المعنى في الذهن؛ فكلمة كتيبة تدخل في المعجم الحربي، وليس في حقل الكتابة.


بعض العلماء حاول إيجاد رابط بين ظاهرة (ديجا ڤو) وبين بعض الأمراض النفسية كانفصام الشخصية والقلق ولكنهم فشلوا. ليس هناك أي علاقة بين هذه الظاهرة وبين هذه الأمراض. العلاقة الأقوى وُجِدَت بين (دَيْ چاڤو) ومرض صرع الفص الصدغي في المخ. وهذه العلاقة قادت بعض العلماء للتأكيد بأن هذه الظاهرة هي نتاج لخلل في عملية تفريغ الشحنات الكهربائية في المخ. الكثير من الناس يشعر ب«رعشة» سريعة في بعض الحالات (قُبيل النوم بلحظات), وهذه الرعشة يرجّح بأنها تحدث أثناء الـ (دَيْ چاڤو) مما تسبب شعور خاطئ في الذاكرة. الذين يشعرون بهذه الرعشات على الدوام، يعانون من تكرار حالة (دَيْ چاڤو) ولكن أغلبها يكون صوتي، حيث يُخيّل له بأنه سمع هذا الصوت من قبل.


كما أن بعض الأدوية ترفع نسبة حدوث الـ (دَيْ چاڤو). في عام 2002, تمكن عالمان من دراسة رجل ظهرت عليه علامات الـ (دَيْ چاڤو) عندما تناول دواء الـ (أمانتادين) و (فَنيلبروبانولامين) لعلاج أعراض انفلونزا حلّت به. في الحقيقة، هذا الرجل أحبّ هذا الشعور وأكمل الدراسة وبدأ يزور طبيبه النفسي لتسجيل ما يشعر به. هذان العالمان وصلا لنظرية بأن الـ (دَيْ چاڤو) هو نتيجة تأثير المعدلات العالية من مادة الـ (دوبامين)أحد الموصلات العصبية للمخ على بعض الخلايا في الفص الصدغي للمخ.


إن الشبه بين المقدمات التي تحفّز ظاهرة الـ (دَيْ چاڤو) وبين تلك التي تحفّز بعض الذكريات في المخ هي تفسير آخر. أي أن بعض المشاعر الحالية تجلب لنا تفاصيل حوادث سابقة في الماضي فهنا تحدث ظاهرة الـ (دَيْ چاڤو). هذا التفسير يتيح للعلماء تطوير العديد من الأبحاث التي من شأنها أن تخلق حالات (دَيْ چاڤو) حسب الطلب لدراستها تحت ظروف علمية. بعض العلماء يعتقد بأن الـ (دَيْ چاڤو) تتعلق بوظيفة الإدراك المألوف في الذاكرة. وأيضا هناك تفسير آخر يقول بأن الـ (دَيْ چاڤو) ما هي إلا نتيجة معلومات قد تعلمناها من قبل ولكن نسيناها والآن استطعنا استرجاعها فيُخيّل لنا بأننا نعيش الموقف مرتين (المخ البشري لا يمسح أي معلومة سجلها وإن نسيناها).


هناك جوهر عال يتحكم بالمخ هو العقل، والعقل يعمل من خلال الاشتغال الذهني (الواسطة التفعيلية هي الذهن العامل، ولا نريد أن نخوض في مسائل الباطن وعالم الأحلام وتعطيل الإرادة ... إلخ). وقد أثبتت التجارب العلمية أن أي تلف في المخ لا يقابله تلف أو نقص في الذاكرة، ولا يوجد ترابط بينهما، حتى إن عملية النسيان هي عبارة عن عطل في التعبير وليس فقدانا للمعلومات. على سبيل المثال لا الحصر: التأليف الموسيقي عمل من أعمال العقل، بينما تنفيذ النوتة عمل من أعمال المخ، لأن المخ هو الجهاز التنفيذي للعقل. العزف الموسيقي هو تعاون العقل والمخ معا لإبداع الموسيقى.



انتهى
Mohammed
Mohammed