مربع البحث

أموال وأحوال - كيف يتعلم الاقتصاد من العلوم الإنسانية

أموال وأحوال - كيف يتعلم الاقتصاد من العلوم الإنسانية

تأليف : جاري ساول مورسون - مورتون شابيرو

نشر : مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة



نبذة عن الكتاب

يسبغ المؤلفان نظرة انسانية جديدة على علم الاقتصاد ؛ لأن غرس المنهج الإنساني في الاقتصاد يجعل نماذجه أكثر واقعية، وتوقعاته أكثر دقة، وسياساته أكثر فاعلية وعدلاً. وهذا يعني أنه يمكن للاقتصاد أن يستفيد من فهم سلوك الناس واحترام فلسفاتهم الأخلاقية، ومن الفهم العميق لمعنى ودور الثقافة. ولكي نكون عمليين وعلميين أيضاً، فالمطلوب هو أن يستفيد الاقتصاديون من هاتين الفكرتين من دون أن يتخلى الاقتصاد عن انجازاته العظيمة، وعبر علم اقتصاد إنساني ؛ يسمح لكل مجال بالحفاظ على سماته المميزة. ويدير حواراً بين علمين اجتماعيين ومجالين كنا نعتبرهما نهجين مختلفين للمعرفة. ومع بدء مثل هذا الحوار الأخلاقي والخلاق، فإن المزيد من الأفكار الجديدة والإبداعات المفيدة ستفاجئنا وتلهمنا في رحلتنا لمواكبة المستقبل واستشرافه.

القنفذ مقابل الثعلب

أدت الأبحاث التجريبية التي أجراها خبير العلوم السياسية فيليب تيتلوك حول سلامة الحكم البشري إلى بعض الاستنتاجات المهمة والمثيرة للدهشة. اتضح أن التنبؤات والأحكام الصحيحة لا تعتمد على ما إذا كان المرء متفائلا أو متشائما، ولا تشكل الخلفية المهنية للمرء أو مكانته فرقا كبيرة هنا، فما ثبتت أهميته حقا هو أسلوب التفكير، الذي يتفوق فيه «الثعلب» على «القنفذ» دائما، | يربط القنفذ كل شيء برؤية مركزية واحدة؛ ووفق نظام واحد متماسك وواضح يتم من خلاله التفاهم والتفكير والشعور، وذلك عبر مبدأ عام يتساوى فيه الجميع ويكون الكل عنصر وكائن ومشارك فيه أهميته. أما الثعالب فتسعى نحو غايات متعددة وتنفذ أفكارا تحث على الفردية والآنية والأنانية ولا تأبه بالتفكير أو الأداء أو الكسب الجمعي.


أفكار الثعالب مشتتة ومتناثرة ومنتشرة، لأنهم يتحركون على مستويات عديدة، ويمتلكون مجموعة واسعة وثرية من التجارب. بالنسبة إلى القنفذ، فإن الحقيقة واحدة وغير متغيرة، وبالنسبة إلى الثعلب، فإن مثل هذا اليقين يعتبر خداعا للذات. وباختصار: فإن الثعلب يعرف أشياء كثيرة صغيرة، بينما يعرف القنفذ شيئا واحدا كبيرا. فالثعلب موسوعي، والقنفذ متخصص؛ والثعلب ممارس عام، والقنفذ استشاري. ولكن لماذا يتفوق الثعلب على القنفذ معظم الوقت؟ تتمثل إحدى الإجابات في أن الأفضلية تكون أكبر على المدى الطويل. فتمط التفكير ذاتي النقد لدى الثعالب والذي يتضمن الحجة والحجة المضادة يمنعها من إضفاء الحماس المفرط على تنبؤاتها كما تفعل القنافذ الخبيرة بشأن تنبؤاتها التي تقدمها للآخرين بوصفها خبيرة ومعتمدة، كما تساعدها رغبتها في مراجعة التنبؤات على مواجهة الحجة المضادة.

عند التفكير في أسباب فشل العديد من مخططات التنمية ذات النوايا الحسنة، أوضحت الدراسات الآثار المدمرة التفكير القنفذ. وضع الخبراء المفترضون موضع التنفيذ خطط تنمية لم تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات ومتطلبات منظومات القيم والثقافة والمعتقدات الخاصة، وأهمية التجربة المحلية مع تغير الظروف بطريقة لا يمكن التنبؤ بها، وكذلك دور المعرفة الضمنية التي لا يمكن لأحد أن يحددها، رغم أنها يمكن أن تحدث فارقا كبيرا، وقبل كل شيء، الحاجة إلى التقدم خطوة بخطوة للتحقق ما إذا كان التغيير قد نجح أم لا قبل تنفيذ التغيير التالي أو التغيير النهائي. وبطبيعة الحال، يفتقر تفكير القنفذ إلى التواضع الضروري لمنع الأخطاء من أن تتحول إلى كوارث. 

في تنزانيا، اجتمع خبراء البنك الدولي ومجموعة من خبراء التخطيط الدعم حملة «أوجاما لتنمية القرى». كان مفهوم «أوجاما» هو المفهوم الذي يشكل أساس سياسات التنمية الاجتماعية والاقتصادية للرئيس يوليوس نيريري في تنزانيا بعد استقلالها عن بريطانيا في عام 1961. علما بأن كلمة «أوجاما» السواحيلية تعني «العائلة الكبيرة»، أو التشاركية ، وكمفهوم سياسي فإنها تعني أن الفرد لا يصبح إنسانا إلا من خلال الناس أو المجتمع. 

وبداية من عام 1973، تم ترحيل البدو والمزارعين من بيوتهم وأعيد توطينهم على الطرق الرئيسة ليتمكنوا من الحصول على الخدمات العامة بسهولة، واستبدلت الممارسات الزراعية التقليدية بالزراعة وفق الطرق العلمية. وبسبب حرمانهم من البيئة التي يفضلونها، افتقد البدو والمزارعون كل المعرفة المحلية. فما رآه المخططون تفكيرا محافظا وتخلفا معرفيا، رآه المزارعون حكمة متراكمة من الخبرات. وكانت النتيجة كارثة بيئية ومجاعة. 

وفي إثيوبيا أيضا، عندما أعاد «منجستوهيلا مريام» تسكين أكثر من أربعة ملايين شخص في عام واحد، كانت النتيجة أسوأ. تميل خطط القنفذ بقوة للتغاضي عن الاختلافات، وهذه أخطاء لا يرتكبها تفكير الثعالب. والتجربة تشير إلى أن النظرية الاقتصادية لا تكفي بعموميتها لنجاح خطط التنمية، إذ يحتاج المرء إلى فهم الثقافة والمؤسات والبيئة المحلية والتاريخ، وكل ما ينطوي على السرد والفكر والمنظور التاريخي والإنساني. 

فليكن تفكيرك ثعلبيا، مهما انتصر علم الاقتصاد لتفكير القنفذ. قد يكون من المريح التمسك برؤية واحدة للعالم، وتجاهل كل ما عداها ، ولكن هذا لن يساعدك على التنبؤ بالمستقبل. وهنا تبرز أهمية التعلم من التخصصات الأخرى، وطرح التساؤلات الحالمة والاستشرافية والجريئة حول صحة الافتراضات الأساسية الخاصة بكل ما هو إنساني وإبداعي ومجرد


رابط الكتاب


تعليقات
ليست هناك تعليقات

    اطلع على مقالات موقع المرجع في جوجل نيوز

    يمكنك الحصول على مقالات موقع المرجع من هنا

    اضغط هنا



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -