كتاب تنمية مهارات القراءة والكتابة

تنمية مهارات القراءة والكتابة



تأليف : حاتم حسين البصيص

تطالعنا نظريات علم النفس والتربية كل يوم بما هو جديد في ميدان التعليم والتدريس، فنقع على طرائق تعليمية مختلفة هنا وهناك، تحاول النهوض بالمتعلم واستنهاض قدراته؛ لتوظيفها في اكتساب المعارف والمهارات، ويبقى المجال مفتوحاً لاقتراح طرائق جديدة، يمكن للمعلم استخدامها وتطبيقها في تعليم تلاميذه، فيختار ويكيّف ما يشاء من الطرائق لتناسب جمهوره من المتعلمين، شريطة أن يتّبع في هذا الأسس الصحيحة للتعلم؛ معتمداً على جهده وإحساسه بالمسؤولية تجاه مهنته وطلبته، ومسترشداً بحسّه التربوي وبكفاءته وتميّزه في عمله وتدريسه.
لقد شهد الربع الأخير من القرن الماضي تطوّرات كثيرة، في شتى المجالات التربوية والنفسية، وخاصة ما يرتبط منها بنظريات الذكاء والقدرات العقلية لدى الإنسان، ووجدت هذه النظريات والاتجاهات الحديثة طريقها إلى التعليم والتعلّم؛ من أجل النهوض بالمتعلمين وتنمية مستوياتهم الأدائية والمعرفية، وكذلك الوجدانية النفسية، كما حاولت هذه النظريات استنهاض قدرات المتعلمين على اختلافها، وبما بينهم من فروق فيها؛ فالمتعلّمون ليسوا على سوية واحدة من التفكير، ولا يمتلكون القدرات ذاتها، وعند هذا الجانب التقت معظم نظريات الذكاء؛ لتحديد هذه القدرات تحديداً علمياً معللاً، يستند إلى البحث و الدراسة وإمكانية التطبيق والممارسة.
إن طريقة التدريس غالباً ما تخاطب المتعلم من زاوية بعينها، مستثيرة لديه قدرة من القدرات الكثيرة التي منحها الله للإنسان صغيراً كان أم كبيراً، من الناحية العقلية أو الجسمية أو العاطفية، ولكنها قد تبقى بمعزل عن باقي القدرات، كما أن هذه الطرائق قد تثير المتعلم حسياً من زاوية واحدة، سمعياً أو بصرياً أو لمسياً، ولكنها تهمل باقي الحواس على أهميتها.
ومن هنا، ولاختلاف جمهور المتعلمين وتباين مستوياتهم، ولتعدد قدراتهم، وتنوّع حواسّهم ووسائل التلقي لديهم، فإن التنوّع في استخدام طرائق التدريس، والدمج بين الطرائق في الدرس الواحد، أو عند تنمية المهارات المختلفة، أصبح مطلباً تعليمياً، ينبغي مراعاته ووضعه في الحسبان، عند بناء أو تطبيق أي برنامج تعليمي؛ لأن التعلّم الصحيح والنشط، يقتضي أن يبقى المتعلم يقظاً وإيجابياً، فاعلاً وليس منفعلاً، نشيطاً يعمل ويفكّر في كل الاتجاهات، داخل الحجرة الصفية وخارجها.
وثمة تحديات كثيرة تواجه الواقع التعليمي اليوم، لعلّ أبرزها ما يرتبط بالتنامي المعرفي الهائل في كافة مجالات المعرفة والعلوم، وعلى المتعلّم أن يحيط بها أو بجزء كبير منها، من خلال ما يقدّم له من مواد دراسية مختلفة في شتى المجالات والمراحل التعليمية؛ سعياً إلى خلق جيل متعلّم مفكّر، قادر على مواكبة مستحدثات العصر ومعارفه المتنامية، وهذا يقتضي - أيضاً- استخدام شريحة واسعة من الإستراتيجيات والطرائق التعليمية التعلمية، التي تعين المتعلّم وتمدّه بأسلحة السيطرة على أكبر قدر من المعارف والعلوم.
وإذا كان هذا الكلام ينسحب على مواد الدراسة وفروعها المختلفة، فإن اللغة العربية تمثّل أولوية تعليمية، ينبغي الارتقاء بها وبتعليمها، ليس كمادة دراسية فحسب، ولكن كقاعدة للتلقّي واكتساب المعارف والخبرات المختلفة، كما أنها تمتاز عن غيرها من المواد الأخرى باتّساعها وتعدد مهاراتها وفنونها؛ لذلك فهي تحتل مكانة متميّزة على الجدول الدراسي؛ من حيث عدد الساعات والوقت المخصّص لتدريس فروعها.
وتأتي القراءة والكتابة في مقدمة مهارات اللغة العربية أهمية، كمهارتي استقبال وإنتاج، فالقراءة بوابه التعلّم في كلّ الميادين، وتعلّمها ليس لذاتها فحسب، ولكن لغيرها أيضاّ من صنوف المعرفة، كما أن الكتابة إنتاج لهذه المعرفة، وتعبير عن مقدار ما اكتسب المتعلم وتمثّل من هذه المعرفة، فإذا كانت القراءة مفتاح التعلم، فإن الكتابة هي التعلّم ذاته، أضف إلى هذا ما تتّسم به القراءة والكتابة من تعدّد في المهارات، وتعقّد في العمليات.
وإذا كان تعدّد العمليات وتشعّب المهارات، يحتاج استثمار مختلف قدرات المتعلّم؛ سعياً إلى تمكينه من مهارات اللغة العربية قراءة وكتابة، فإنه يحتاج- كذلك- إلى حفز هذه القدرات وصولاً إلى الاستثمار الأمثل لها؛ من خلال مراعاة عوامل الدافعية والميل نحو القراءة والكتابة، وسوف يتحقّق هذا على نحو أكثر فاعلية، عن طريق تنوّع أساليب العرض واستخدام تشكيلة واسعة من طرائق التدريس، فمخاطبة قدرات المتعلم ومراعاة مستواه، وإثارته من جوانب مختلفة؛ من شأنه أن يستحوذ على اهتمامه، ويبقيه في حالة من الارتباط النفسي بمحتوى التعلّم، وجانب المهارة، فالدوافع والميول والاتجاهات النفسية لها كبير الأثر في التعلّم، وأفضل الطرائق ما انطلق من دوافع المتعلّم، فوافق ميوله وعزّز اتجاهاته، وتعليم اللغة العربية اليوم أحوج ما يكون إلى ربط المتعلم بها عاطفياً وانفعالياً؛ في سبيل تشكيل اتجاهات راسخة وقيم ثابتة حولها، وحول أهميتها في حياة المتعلم العربي وتراثه وثقافته.
وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة لمهارات القراءة والكتابة، ليس كمطلب تعليمي فحسب، بل وكاحتياج مرتبط بحياة المتعلّم، إلا أننا نجد ندرة في البحوث التي تسعى إلى تطوير تعليم اللغة عموماً على ضوء النظريات الحديثة في التعلّم واقتراح برامج علمية لتنمية مهاراتها، بالإضافة إلى أن واقع تعليمها يظهر ضعفاً عاماً لدى معظم المتعلمين في المهارات اللغوية وحتى في الميول والاتجاهات نحوها، كما يظهر بُعداً عن الاتجاهات المعاصرة في تعليم هذه المهارات وتقويمها.
وفي هذا السياق جاءت فكرة الكتاب، مدعّمة بنتائج التطبيق العملي التي تمّ الوقوف عليها في بحث الدكتوراة، الذي أنجزه الباحث في جامعة القاهرة، معهد الدراسات التربوية، والذي كتبت كلماته تحت إشراف أساتذة أجلاء، قدموا للباحث الكثير من علمهم وفكرهم، الأستاذ الدكتور جابر عبد الحميد جابر/ أستاذ علم النفس بالمعهد، والأستاذ الدكتور علي أحمد مدكور/ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية بالمعهد، والدكتور أحمد محمد عيسى/ مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية بالمعهد، وقد توّجت جهودهم المشكورة والمخلصة بحصول الباحث على درجة الدكتوراة، مع التوصية بتبادل الرسالة بين الجامعات العربية والمراكز البحثية.
سعى الباحث في بحث الدكتوراة إلى بناء برنامج استند إلى شريحة واسعة من إستراتيجيات التدريس، وقد تمّ تطبيقه بهدف تنمية مهارات القراءة والكتابة لدى تلاميذ المرحلة الإعدادية، والوقوف على مستوى نموّ هذه المهارات عملياً؛ حيث أظهر البرنامج فاعلية جيدة في تحسّن المهارات ونموّ الميول الإيجابية نحو القراءة والكتابة.
وتأسيساً على ما تقدّم، فإن هذا الكتاب يسعى إلى تقديم إطار نظري بالتكامل مع التطبيقات العملية لأبرز الاتجاهات الحديثة في تعليم اللغة بصفة عامة، وتعليم القراءة والكتابة على وجه الخصوص، وكيفية توظيف تشكيلة واسعة من طرائق التدريس العملية، في تدريس القراءة والكتابة، كما يسعى الكتاب إلى تقديم نماذج إجرائية يمكن أن يفيد منها معلم اللغة العربية والمهتمين بتعليمها؛ للارتقاء بمستوى تلاميذنا وطلابنا فيها، وبما يخدم لغتنا العربية.


غير مسموح بإضافة تعليقات جديدة