كتاب أسس علم النفس العام (نسخة أصلية)

اسس علم النفس العام



المؤلف: د. طلعت منصور
الناشر: مكتبة الأنجلو المصرية




إن وجود الإنسان منذ فجر التاريخ صاحبه تساؤلات وجودية لازالت أصداؤها تتردد في الآفاق وعلى كافة الأصعدة. فعلى الرغم أن الإنسان قد قطع أشواطا كبيرة في سبر أغوار الكون وفض أسرار الفضاء مترامي الأطراف، وغزوه للمجرات المجاورة، إلاّ أنه يقف عاجزا خاشعا أمام ذاته التي يسمها الغموض ويحيط بها التعقيد، وذلك تأسيسًا على ما ذهب إليه فروم من أن الإنسان هو المخلوق الوحيد القادر على أن يقول "أنا أكون أنا" I am I. فالإنسان لا تحركه الدوافع البيولوجية فحسب، بل هو في حاجة دائمة الإلحاح للشعور بآدميته واستحقاقه وكفاءته. فالحيوان تتحكم فيه دوافعه الغرائزية أكثر من أي شيئ آخر، ولا تخبرنا الموسوعات المختلفة عن نوع من الحيوانات يقف مزهوا بنفسه عندما يصطاد فريسته، بينما يشعر الإنسان بالفخر والاحترام عندما يحقق إنجازا من نوع ما. إن تساؤلات من قبيل من أنا؟ وماذا أنا؟ وما هي اختياراتي؟ وهل أنا مسئول عنها أم مجبر عليها؟ كلها من صميم إنسانية الإنسان. ونحن بحاجة ملحة للتوجه مباشرة صوب الظاهرة الإنسانية كما هي، لا كما نحب أو نود أن نراها. والعلوم النفسية في عصرنا هذا –الذي يطلق عليه البعض عصر القلق والأزمات الوجودية- بحاجة لأن تضطلع بدورها الحيوي في علاج ما انتشر من اضطرابات، والوقاية مما يحيق بالبشرية من أخطار، ودفع عجلة البرامج التدخلية نحو مكامن القوة وتنميتها لدى الإنسان. إن رحلة علم النفس –كوحدة كلية قبل أن ينحو نحو التخصص الدقيق- لم تكن وليدة اللحظة، إنما بدأت مع بزوغ البشرية..ومع رحلة الإنسان الفرد للبحث عن ذاته وما يختلجها من مشاعر وانفعالات، تلك التي تتوافق حينا وتتناقض أحيانا. بيد أن الأمر الملاحظ، بالرغم من ذلك، أن جُل تركيز علم النفس انصب حتى زمن قريب على تناول الموضوعات المرضية ومواطن الضعف. وعلم النفس هو الإبن الشرعي للفلسفة، غير أن ثمة محاولات كانت ولازالت تحاول اجتثاث هذا العلم من رحم أصوله...تارة بدعوى مواكبة تطور العلوم التطبيقية، وتطويع الكيان النفسي الإنساني ليخضع للقياس والتجريب...وتارة بدعوى الاستقلال نحو تخصص دقيق. والحقيقة التي لا مراء فيها هي أن العلوم البينية هي السبيل الأصيل لتطور أي علم وشموخ صرحه؛ فما بالنا إذا كان علم النفس تربطه بالفلسفة وشائج القربى الفكرية. وما من بناء إلاّ بعناء...فبالقدرة والمقدرة على طرح الرؤى الإبداعية وإطلاق العنان للخيال الإنساني كي يبحر في استكشاف خبايا النفس تتطور العلوم وتنهض الأمم.



الإبلاغ عن انتهاك لحقوق النشر

غير مسموح بإضافة تعليقات جديدة