الدخان واللهب: عن الإبداع والاضطراب النفسي

📘 تفاصيل الكتاب
عنوان الكتاب: الدخان واللهب
المؤلف: شاكر عبد الحميد
الناشر: دار العين للنشر
سنة النشر: 2020
📚 المقدمة: ثنائية العبقرية والاضطراب في الفكر الإنساني
يمثل كتاب «الدخان واللهب: عن الإبداع والاضطراب النفسي» للناقد والأكاديمي المصري الراحل الدكتور شاكر عبد الحميد محاولة علمية وإنسانية عميقة لاستكشاف المنطقة الغامضة والمظلمة التي تتقاطع فيها العبقرية الفنية مع المعاناة النفسية. يتناول المؤلف الجدلية الأزليّة بين العقل والجنون، معتبراً أن النتاج الإبداعي يمثل شعلة «اللهب» المتوهجة ذات الإشراق الجمالي، بينما يمثل «الدخان» تلك الصدمات والآلام والاضطرابات التي تحيط بروح المبدع وترافقه في مسيرته. يقدم الكتاب رؤية موسوعية تجمع بين علم النفس، والطب النفسي، وتاريخ الفنون والآداب، والتحليل السيكولوجي لسير المبدعين.
ينطلق الباحث في دراسته الاستقصائية من فكرة مفادها أن المعاناة النفسية ليست شرطاً حتمياً للإبداع كما شاع في الرومانتيكية، بل إن الإبداع في أحيان كثيرة يمثل وسيلة دفاعية ومحاولة إنسانية فائقة للمقاومة والتكيف واستعادة التوازن الوجداني. ومن خلال ستة فصول مكثفة، يحشد الدكتور شاكر عبد الحميد تحليلات إكلينيكية ونقدية لحالات تاريخية ومعاصرة من الشعراء والرسامين والموسيقيين والروائيين، مما يجعل هذا العمل مرجعاً أساسياً في علم النفس المرضي الجمالي وفهم العمليات المعرفية والوجدانية لدى الموهوبين.
🔥 الجذور التاريخية للجنون المقدس والإلهام الإبداعي
يستعرض المؤلف في الفصل الأول من الكتاب التطور التاريخي لفكرة «الجنون المقدس» وكيف نظر الإغريق القدماء، وعلى رأسهم سقراط وأفلاطون، إلى الهوس والإلهام باعتباره منحة إلهية ترفع الإنسان فوق مستوى الوعي العادي. حيث ميز أفلاطون بين الجنون المراضي الشاذ وبين الهوس الإلهي الذي يُلهم الشعراء والعشاق والفلاسفة. وتناول الكتاب كذلك طقوس «ديونيسيوس» أو «باخوس» وما صاحبها من رقص وهياج وانفعالات مختلطة بين البكاء والبهجة، والتي كانت البذرة الأولى لنشأة الدراما التراجيدية والكوميدية في الفكر الغربي، مؤكداً أن الفنون ارتبطت منذ بداياتها بمحاولات تحرير الشغف المكبوت والخروج عن نمطية العقل الجمعي.
ثم ينتقل التحليل إلى عصر النهضة والرومانتيكية، حيث تجلت صورة الشاعر العراف والمبدع السوداوي. ويلفت الدكتور شاكر عبد الحميد الانتباه إلى كتابات مارسيليو فيشينو ولوحات ألبرخت دورر التي كرس مفهوم «الميزاج السوداوي» أو المليخوليا باعتباره طابعاً مميزاً للنابغين في الفلسفة والفن. ويؤكد الباحث أن الانتقال من الثقافة الشفاهية إلى ثقافة الكتابة والطباعة ساهم في عزلة الفنان وفردانيته، مما جعل الهوس والإلهام يتحولان من تجربة جمعية مسرحية إلى تجربة صامتة وداخلية تعتمل في نفس المبدع وحده.
🐕 الكلب الأسود ودراما الهوس والاكتئاب لدى المبدعين
يستعرض الكتاب استعارة «الكلب الأسود» التي استخدمها العديد من الأدبا والسياسيين، مثل صمويل جونسون وونستون تشرشل وصلاح عبد الصبور، لوصف حالة الاكتئاب القاتم الذي ينهش عقل الإنسان ويستنزف طاقته. ويناقش المؤلف بالتحليل العلمي الدقيق الاضطراب الوجداني ثنائي القطب بنوعيه، موضحاً الأعراض الإكلينيكية لنوبات الهوس من تسارع الأفكار، وقلة الحاجة إلى النوم، والاندفاع الشديد، ونشاط الذاكرة، والتضمني التصوري الزائد، مقابل نوبات الاكتئاب التي تتسم بثبوط الهمة، وانخفاض الطاقة، والانسحاب الاجتماعي، وفقدان الرغبة في الحياة.
ويتطرق الباحث إلى العوامل البيولوجية والجينية المسؤولة عن هذا الاضطراب، مثل اختلال النواقل العصبية كالدوبامين والسيراوتونين، مع الإشارة إلى أن المستويات المعتدلة أو الخفيفة من الهوس (الـ Hypomania) قد تعزز الطلاقة الفكرية والإنتاجية الإبداعية وتساعد على الربط بين التداعيات البعيدة. لكنه يؤكد في المقابل أن الظهور الكامل والأول للمرض الحاد يؤدي إلى تدهور النشاط المعرفي والغلق الإبداعي، مستشهداً بدراسات كاي جيمسون ونانسي أندرياسن حول ارتفاع نسب اضطرابات المزاج بين الروائيين والشعراء مقارنة بعامة الناس.
🍷 مياه ونريان ورماد: الكحوليات والمخدرات ودراما الانتحار
في هذا الفصل الحرج، يدرس الكتاب الوسائط الاصطناعية التي يلجأ إليها بعض المبدعين لاستثارة الخيال أو الهروب من عذابات الاكتئاب والتأرجح المزاجي. يحلل المؤلف ظاهرة تعاطي الكحوليات والمخدرات (كالأفيون والحشيش والمسكالين) لدى شعراء وكتاب مثل كولريدج، وبودلير، وإدجار آلان بو، وإرنست همينجواي، وفيتزجيرالد. ويشتمل التحليل على تفكيك الوهم الرومانتيكي الذي يربط بين المواد المخدرة وزيادة القدرة الإبداعية، موضحاً أن هذه المواد وإن أدت في بداياتها إلى رفع المؤقت للرقابة العقلية، فإنها تنتهي حتماً باستنزاف هرمونات المتعة وتدمير البنية العصبية للجسم والوصول إلى التعطيل التام للموهبة.
كما يتطرق الباحث إلى دراما الانتحار وتشويه الذات لدى المبدعين، ناقشاً نظرية «التفكك الإيجابي» لكازيمير دابروفسكي ونظريات التحليل النفسي لميلاني كلاين وحنا سيجال. ويشرح كيف ينجم الانتحار عن انخفاض كفاءة ضبط الاندفاع وسوء التكيف مع آلام الفقدان والحزن الناقص في الطفولة، كما حدث مع الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث وآن سيكستون. ويقدم الجدول التالي ملخصاً لأهم الأبعاد والوسائط المتداخلة في تجارب المبدعين كما وردت في هذا القسم:
هل استفدت من المقال ؟ او لديك أي استفسار ؟ اترك تعليقك لنا.